انقضى على خطاب أوباما الشهير في جامعة القاهرة ما يقرب من شهر ومازالت ردود الأفعال العربية عليه تتوالى. وكلها تدور حول إلقاء اللوم عليه؛ لأنه قصّر في الدفاع عن الحقوق العربية وأنه كان يجب عليه أن يدافع عن حقوق شعب فلسطين، وإدانة الاحتلال الإسرائيلي، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس العربية، وعودة اللاجئين، وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وكان عليه أن يزور قطاع غزة، وأن يرى بعينيه جرائم إسرائيل بالعدوان على القطاع وتقديمها إلى محكمة الجزاء الدولية. وبما أنه لم يفعل ذلك، فخطابه مجرد أقوال دون أفعال، كلام معسول، مقدم بقفاز حريري طالما سمع العرب مثله من رؤساء أميركا السابقين عن حل الدولتين، وضرورة إيقاف بناء المستوطنات، والباقي يكشف فقط عن قدرات أوباما البلاغية وقدرته على الارتجال. فهو الأستاذ الجامعي والمحامي السابق و"الديمقراطي"، وقد عرف "الديمقراطيون" بتمسكهم بالدستور الأميركي وبإعلان الاستقلال وبالمبادئ التي قامت عليها الجمهورية الأميركية التي استندت إلى مبادئ الثورة الفرنسية. وهو القادر على الارتجال والحديث التلقائي. ويزيد من حسن خطابه جسده الرياضي وابتسامته العريضة وتلفته يميناً ويساراً لتوزيع خطابه على جمهور الحاضرين بالتساوي، والسيطرة على الجميع بسحر قوله "وإن من البيان لسحراً". وبهذا المعنى، فهو يهدف إلى تجميل صورة الولايات المتحدة بعد أن شوهتها الإدارة السابقة بغزوها العراق وأفغانستان وإعلانها الحرب على الإسلام ووصفه بـ"الإرهاب"، وعدائها لما سمته "محور الشر" في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. كما يهدف إلى الدفاع عن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط وتخفيف العداء لأميركا في هذه المنطقة الحيوية لها، حيث النفط والأسواق والمدخل إلى آسيا لمحاصرة روسيا والصين. والخطاب استمرار لسياسة الرؤساء السابقين. فأميركا تحكمها المؤسسات والمصالح التي لا تتغير بتغير الرؤساء، كما يحدث في الوطن العربي. وقد فرح العرب ببداية الخطاب بعبارة "السلام عليكم" وتجميله ببعض الآيات القرآنية الانتقائية مثل (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) دون تحديد من القاتل ومن المقتول، الإسرائيلي أم الفلسطيني، من الجلاد ومن الضحية، وأيضا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ إن أكرمكم عند الله أتقاكم) دون أن يحدد أحد هل من التعارف بين الشعوب إقامة الجدار العازل، والاستيطان في أراضي الغير، وهدم المنازل، وطرد السكان، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ. كما فرح العرب أيضا بأصوله الإسلامية فاسم الأب حسين، وقد عاش شبابه في إندونيسيا أكبر بلد إسلامي. والحال أن إمكانية تأثير الرئيس عموماً على السياسة الأميركية الداخلية والخارجية محدودة، فهناك الكونجرس بمجلسيه وجماعات الضغط، والمجمع العسكري الصناعي ومنظمات المجتمع المدني. ولا تكفي النوايا الحسنة. والسؤال هو "أفلح إن صدق". وكل هذه الانتقادات صحيحة لا أحد يشكك فيها. وقد تكررت إلى درجة الملل والنغمة الواحدة المتكررة في أجهزة الإعلام وفي أحاديث الناس. والواقع أنها نصف الحقيقة. فنحن نلقي الكرة دائماً في ملعب الغير. ونريد للغير أن يحل قضايانا. ونكلفه ما لا يطيق. نفعل ذلك في الدين عندما نغفل قدرة الإنسان على الفعل والمجتمع على الحركة. كما نفعل ذلك مع السلطان عندما نحمله كل ما يحدث في الدولة من مآسٍ وأحزان وكأنه لا شعب ولا مؤسسات ولا علماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ونلقي العبء كله على الأمم المتحدة التي لم تنفذ قراراتها في صالح الفلسطينيين لسيطرة القوى الكبرى عليها وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. وأحياناً، نلعن العصر الظالم والزمن الرديء وكأن التاريخ هو المسؤول عما نحن فيه من مظالم. نلقي العبء كله على العامل الخارجي، أوباما، كغطاء لعجزنا الداخلي، واستسهالًا لتحمل المسؤولية. نبكي ونلعن الآخر الذي لا يقوم بدورنا، ويحقق مصالحنا، ويعمل بدلاً عنا. نشتكي الظالم، ونتحسر على المظلوم الذي لا يناصره أحد. ونطيل في البكائيات، ونذرف الدمع على اللبن المسكوب ولا أحد يتعاطف مع الضعيف العاجز عن أخذ حقه بيده. لا يحترم العالم إلا القوي، إيران التي تتحدى الغرب والولايات المتحدة وتستمر في سياساتها حتى حاورتها أميركا وسلمت بوضعها في الاعتبار، وكوريا الشمالية التي أطلقت صواريخها وقامت بتجاربها النووية على رغم تحذيرات الغرب والولايات المتحدة وقرارات الأمم المتحدة، وشافيز الذي يسانده الشعب وأتى إلى الحكم ديمقراطياً دون أن يزايد عليه أحد، وزاره أوباما كما زارنا. لم يعطلوا له المصالح الحكومية، بل سأله سؤالاً واحداً: متكافئان أم لا؟ فأجابه أوباما: بل متكافئان. ولا يعني ذلك السباحة ضد التيار في إلقاء اللوم على أوباما؛ لأنه لم يدافع عن حقوقنا أو الدفاع عن الولايات المتحدة بتبرئتها من تبعاتها في القضية الفلسطينية، بل يعني استعادة الكرة المستقرة في ملعبنا، وبيان أهمية العوامل الداخلية على العامل الخارجي، (إنَّ اللهَ لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسِهِم). فالاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني مازال قائماً، والدم الفلسطيني مازال مستباحاً بأيدينا. والانقسام بين "فتح" و"حماس" يعطي الفرصة للعدو لأن يسأل: من هو ممثل الشعب الفلسطيني؟ مع من نتفاوض؟ والسلام مع إسرائيل بصرف النظر عن شروطه قائم بين دولتين من دول الجوار وإسرائيل رسمياً. والعرب منقسمون على أنفسهم بين دول الاعتدال ودول الممانعة. ومبادرة السلام العربية على الطاولة منذ ثماني سنوات رفضتها إسرائيل منذ إعلانها في بيروت. ولا يوجد بديل لها عند العرب. فقد اعتبروا أن حرب أكتوبر آخر الحروب. ولم تضرب إسرائيل المفاعل النووي العراقي وما ظنته المفاعل السوري ولم تعتدِ على لبنان وغزة إلا بعد حرب أكتوبر. والاستثمارات العربية في البنوك الأميركية التي أفلس بعضها. والإرادة العربية مرتهنة بـ"النووي" الإسرائيلي، والتخويف باستمرار بإعادة احتلال سيناء. فعناصر الضعف العربي كثيرة في مواجهة إسرائيل، وعناصر القوة العربية كثيرة في مواجهة أميركا. والكرة في الملعب العربي وليست في الملعب الأميركي. وهذا هو الأصعب، إعادة ترتيب البيت العربي من الداخل بالفعل وليس العيب على الناس بالقول كما قال الشاعر العربي: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيـــــب سوانـــــــــا فالقضية عندنا وليست عند الآخر. والنقد الذاتي أولى من نقد الآخر. والطريق الصعب وتحمل المسؤولية هو الأجدى من الطريق السهل وإلقاء التبعية على الآخرين. فليس أوباما هو المسؤول بخطابه في جامعة القاهرة عما نحن فيه، ولكنه فتح نافذة وجعل الباب موارباً، فلماذا لا ندخل منه؟