الحداثة المهدرة: غياب الوضوح الأخلاقي -------- من الصعب الحديث في وقتنا الراهن، والذي يوصف عادة بأنه فقد الكثير من براءته وأفكاره الكبرى التي أسسها فلاسفة عصر الأنوار، عن المبادئ المثالية والأفكار المدافعة عن مواقف أخلاقية واضحة بعدما أوشكت على الاختفاء تماماً من الحياة السياسية، سواء في الغرب أو باقي البلدان التي أخذت عنه نظمه السياسية وأنساقه الاقتصادية. لكن مع اندلاع الفضائح التي تلاحق عالم الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، معقل الرأسمالية الليبرالية، فضلاً عن الجمود الذي يطبق على الحياة السياسية دفع "سوزان نيمان"، أستاذة الفلسفة ومديرة منتدى إنشتاين في برلين، إلى إعادة طرح سؤال الأخلاق والقيم المثالية من جديد في كتابها الذي نعرضه اليوم بعنوان "الوضوح الأخلاقي: دليل المثاليين"، والذي تنتقد من خلاله الوضع الذي آلت إليه الحياة السياسية في الغرب بتهميشها لوضوح الرؤية الأخلاقية في السياسة على حساب واقعية تفشل في طرح معايير محددة للعمل السياسي وتعجز عن استمالة فئات واسعة من المواطنين، بعدما اختفت الأيديولوجيات وبرزت مفاهيم السوق والنسبية المشككة في القيم والمثل، وهو ما أفسح المجال، في رأي المؤلفة، لازدهار الأصوليات الدينية في الغرب والأفكار اليمينية المتطرفة التي تروج إلى الانغلاق وكراهية الأجانب. هذا الانتقاد الموجه إلى غياب القيم التي ورثها المجتمع الإنساني من عصر الأنوار ومفكريه الأساسيين مثل روسو وفولتير وإمانويل كانت وغيرهم ممن وضعوا الأسس الأخلاقية وساهموا في نشرها ينبني على رصد المأزق الذي يعيشه السياسيون التقدميون حالياً في الغرب وعجزهم عن التعبير بوضوح عن مواقف أخلاقية فاسحين المجال أمام المحافظين الذين اختطفوا قيماً مثل الحرية والكرامة الإنسانية وسخروها لتحقيق أجندات خاصة. وكما توضح المؤلفة ذلك، تخلت القوى التقدمية في الولايات المتحدة بما فيها الأحزاب التي تصنف نفسها في يسار الوسط سواء في الولايات المتحدة، أو في أوروبا عن المثل التي ورثتها من فلاسفة الأنوار مقابل نوع جديد من الواقعية تحتفي بالسوق والمصالح الخاصة. ورغم إدراك تلك القوى التقدمية لخطورة ترك المجال خالياً للحساسيات المحافظة التي تصور نفسها المنافح الوحيد في الساحة عن قيم الأسرة والدين والوطنية، إلا أنهم لا يطرحون بديلاً مقنعاً للمجتمع، بحيث مازال البعض منهم، حسب الكاتبة، غارقاً في مفهوم النسبية بذريعة عدم فرض قيم بذاتها على الإنسان وإطلاق حريته لاختيار ما يريده المجتمع. ووفقاً لهذا النزوع الذي يصل إلى العدمية أحياناً، ينتفي الفرق بين القيم الجيدة والأخرى السيئة، أو بين ما هو موجود وما يفترض أن يكون ليبقى في الأخير واقع تتصارع فيه الأفكار والمواقف في ظل غياب تام للسياسي الذي يفترض به الدفاع عن معايير أخلاقية صارمة تنظم الشأن العام وترسم الطريق بدعوى أنه لا أحد يعرف أكثر من الآخر. وتستبق الكاتبة الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى دفاعها عن قيم عصر الأنوار الأوروبي بتوضيح موقفها من تلك المرحلة المثيرة للجدل، بحيث تنفي منذ البداية المآخذ التقليدية التي سيقت ضد بعض قيم الحداثة مثل الثقة العمياء والمطلقة في العلم والعقل وتمجيد كل ما هو مادي وتكنولوجي، أو الانسياق وراء مقولات قدرة الإنسان على اكتساب المعرفة وكشف الحقيقة وارتقاء مدارج التقدم... لكن من جهة أخرى، ليست قيم الحداثة والتنوير التي بدأت تنسحب من الفضاء السياسي والفكري الغربي لصالح قيم ما بعد الحداثة القائمة على التشكيك والارتياب في الأنساق الكبرى، مجرد تعبير عن الحرية، أو مقاومة للتسلط غير الشرعي والترويج للتسامح، والتي تعتبرها الكاتبة أموراً باهتة لا تستطيع جذب الناس وإقناعهم بالابتعاد عن الأصوليات والأساطير التي تعدهم بالخلاص. فالمثل التي تدافع عنها الكاتبة وترجع بها إلى عصر الأنوار تجسدها أربع قيم رئيسية هي: السعادة والعقل والاحترام والأمل، ليتحول الوضوح الأخلاقي الذي تدعو إليه المؤلفة ليس إلى أجوبة جاهزة لمعضلات الحياة المعاصرة، بل إلى ما تفتحه من إمكانات بلوغ السعادة وتقدير العقل واحترام الكرامة الإنسانية، فضلاً عن الأمل في مستقبل أفضل. وتواصل الكاتبة انتقادها لما تسميه "الأنيميا الأخلاقية"، التي سقطت فيها القوى التقدمية الليبرالية والتي عبر عنها "جون رولز"، أحد أشهر المفكرين السياسيين في أميركا خلال القرن العشرين، عندما قال: "القليل من الأشياء تحظى بإجماع، مثل فكرة أن السلام العالمي يكمن في التخلي عن المعتقدات الكبرى لصالح قيم الاستهلاك". واتساقاً مع رأي الفيلسوف، ترى الكاتبة أن الليبراليين وباقي القوى التقدمية، لن ينجحوا في استعادة حضورهم بالتهافت على الواقعية مع الآخرين، بل بالتمسك بقيم عصر الأنوار والتعامل معها على نحو جدي. والمفارقة التي يشير إليها الكتاب هي انضمام الليبراليين أنفسهم إلى جوقة المسفهين لقيم عصر الأنوار وتسخيفهم لميراثه، وهو ما تعبر عنه الكاتبة بقولها: "إن الثقافة العلمانية في الغرب لم تملك الجرأة الكافية لصياغة لغة أخلاقية واضحة"، لأنها غالباً ما تختفي وراء ضرورات تراها المؤلفة زائفة مثل الابتعاد عن الأحكام المطلقة، أو نبذ التمييز واحترام اختيارات الآخر، هذا الآخر الذي ليس في الواقع سوى الزبون في سوق تتم فيها التضحية بقيم الحداثة من أجل متعة الاستهلاك وتشييء الإنسان. زهير الكساب -------- الكتاب: الوضوح الأخلاقي: دليل المثاليين المؤلفة: سوزان نيمان الناشر: هاركوت تاريخ النشر: 2009