"إقبال" وقوة الذات ------- تمنى محمد إقبال أن يعرفه العرب، فقد أحبهم حباً عظيماً، وحز في نفسه أنهم لا يعرفونه... ولم يعرفوه إلا متأخرين، ومن خلال الثقافة الغربية فقط، وذلك مما حدى بالدكتور رائد جبار إلى تأليف كتابه "فلسفة الذات في فكر محمد إقبال"، والذي نعرضه هنا. يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، يتناول أولها حياة إقبال وآثاره وأفكاره، ويدرس ثانيها فلسفة الذات عنده، بينما يهتم الثالث بإبراز أثره في الثقافات العالمية. وفي تعريف المؤلف بهذا الفيلسوف الهندي المسلم العظيم، يذكر أنه ولد في مدينة سيالكوت بالبنجاب عام 1877، لأبوين تقيين غرسا في قلبه الإيمان وحب الإسلام ونبيه. دخل مدرسة البعثة الإسكتلندية، وبدأ مبكراً كتابة الشعر، وخلال دراسته بكلية الآداب في جامعة لاهور أظهر تفوقاً وتميزاً لافتين، ثم دفعه طموحه إلى السفر والدراسة بجامعة كامبردج على أيدي كبار الفلاسفة والمستشرقين، بعد ذلك انتقل إلى ألمانيا فتعلم الألمانية والتحق بجامعة ميونيخ وحصل منها على شهادة الدكتوراه. وبعد تعرفه على الحضارة والثقافة الغربيتين، عاد إقبال إلى وطنه عام 1908، ليصبح أستاذاً للفلسفة في كلية لاهور الحكومية، فأخذ ينشر أفكاره داعياً إلى الإصلاح والأصالة، محذراً من بريق التغريب ودسائس الاستعمار. وفي تطرقه إلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية لعصر إقبال، يوضح المؤلف أن الهند كانت آنذاك في حالة مزرية وبائسة؛ فقد كان شعبها مستعمراً ومقهوراً، وهو قهر بلغ مديات قصوى بعد إخفاق ثورة عام 1857، والتي حمّل الإنجليز مسؤولية تأجيجها للمسلمين، فعمدوا إلى أملاكهم ومنعهم من الوظائف. وبينما تنبه المفكرين والدعاة الهنود إلى مخاطر سياسة العزل الاستعمارية بحق المسلمين وتداعياتها على الوحدة الوطنية الهندية، واصلت بريطانيا مخططها الذي أدى إلى صراعات دامية بين المسلمين والهندوس، واستمرت في مسلسل تفكيك الهند، مما اضطر أخيراً قادة المسلمين للدعوة إلى الانفصال عن الهندوس، وهذا ما نادى به محمد إقبال مراراً وتكراراً في خطبه، مطالباً بإقامة دولة هندية إسلامية مستقلة عن الهندوس، وهو حلم تحقق بقيام باكستان عام 1948، أي بعد عشرة أعوام على وفاة محمد إقبال. وعودة إلى الموضوع الرئيسي للكتاب؛ فإن المؤلف يبرر اختياره بحقيقة كون إقبال أحدث نقلة نوعية في تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي، وكان لفلسفته طابع نهضوي، بنائي، تقدمي، تجديدي... وقد حظيت باهتمام كبير، لاسيما فلسفته في الذات، والتي سعى من خلالها إلى إعادة بناء وصياغة الإنسان، كما لو كانت برنامجاً أخلاقياً، وتربوياً، ونفسياً واجتماعياً شاملا. فإقبال هو أحد الفلاسفة العظام الذين خاضوا في مسألة الوجود ونظرية المعرفة وفلسفة القيم والسياسة والاجتماع والنفس والتصوف وعلم الكلام والأدب وفلسفة التاريخ. لكن ميزة إقبال أنه لم يكن يفكر بطريقة مثالية خارج الواقع، بل نظر إلى محيطه ورأى: انتشار الجهل والمرض والتخلف، وفساد العقيدة وتحولها إلى وثنية مستترة، وانتشار الروح الجبرية والتواكلية، وانبهار بمباهج الحضارة الغربية، وميل إلى الرخاء والدعة والخمول... وبالتالي أدرك أنه لابد أن يعود الناس إلى رشدهم ووعيهم عن طريق ذواتهم؛ فهي مصدر الحركة والعمل، ومنبع النور والحياة، ومركز الإنسانية ومدار الخلود. هكذا رأى إقبال أن الإنسانية في عصرنا تحتاج إلى ثلاثة أمور: تأويل الكون تأويلا روحياً، تحرير روح الفرد، وأخيراً وضع مبادئ روحية أساسية توجه تطور المجتمع الإنساني. تلك هي المقدمات العامة لفلسفة الذات الجديدة التي جاء بها إقبال، معارضاً ورافضاً كل الفلسفات السلبية؛ السكونية الجامدة. وفيما تهدف هذه الفلسفة التي أراد إقبال أن تكون نابعة من الدين الإسلامي، إلى كمال الإنسان والإنسانية وخلودهما، فإنها في معناها العام ترى أن الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي، وحيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء، والخالق كذلك فرد، لكنه فرد لا مثيل له. ودلالةً على هذه الفردية، يرى إقبال أن هدف الإنسان، الديني والأخلاقي، هو في إثبات ذاته وليس نفيها، وعلى قدر تحقيق ذاتيته وتفرده، يقترب من هذا الهدف. وتبلغ الذات منزلة الاختيار بالجهاد والعمل المتواصلين، والذين فيهما ديمومة الذات وخلودها لا في الاسترخاء وحياة الدعة. فالذات كما يقول إقبال، فيها اختيار وجبر، وهي تنال الحرية الكاملة إذا قاربت الذات الإلهية المطلقة، والحياة جهاد لتحصيل الاختيار، ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها. وهذه الذات أيضاً يعتبرها إقبال مصدر قوة حيوية وخلاقة تدفع بالإنسان نحو الكمال، كما أنها قوة العشق التي تحول الحجر إلى درة؛ فالإنسان في صميم كيانه يمثل قوة مبدعة وروحاً متصاعدة تنمو في سيرها من حالة وجودية إلى حالة أرقى وأسمى. وهكذا يبدو إقبال، في فلسفة الذات لديه؛ واقعياً ومثالياً، شخصانياً وكونياً، تجديدياً وأصالياً، يدعو الإنسان إلى خوض غمار الحياة بوصفها جهاداً يبدد ظلمة العالم، وينشر العدل والرحمة والطمأنينة. ويتضح أن إقبال نال منزلة كبيرة في الهند، فالزعيم الوطني الهندي نهرو رأى فيه كوكباً أضاء سماء الهند وأرضها، كما اعتبر محمد على جناح أن أفكاره هي الأساس الفعلي لقيام باكستان، كما أثنى عليه شاعر الهند العظيم "طاغور"، ثناءً لا حدود له. ويعود الفضل في شهرة إقبال في الثقافة الغربية إلى أساتذته الإنجليز والألمان الذين ترجموا العديد من دواوينه الشعرية وكتبه الفلسفية. وقد وضعه الأدباء والمفكرون العرب في قمة القمم، ورأى فيه طه حسن شاعراً يستحق احتفاءً لا نظير له من الدنيا والتاريخ، بينما اعتبره العقاد رائداً من رواد الفلسفة الوجودية المؤمنة، وأحد العظماء الذين أناروا ظلمة الفكر. محمد ولد المنى -------- الكتاب: فلسفة الذات في فكر محمد إقبال المؤلف: د. رائد جبار كاظم الناشر: دار نينوى تاريخ النشر: 2009