الثقافة الفيروسية وفرسان "النانو قصص" ----------- يناقش "بيل واسيك"، المحرر في مجلة "هاربر" الأميركية وأحد الكتاب المهتمين بموضوع الثقافة الرقمية في كتابه الذي نعرضه هنا وعنوانه "ثم إليكم هذا أيضاً: كيف تعيش القصص وتموت في الثقافة الفيروسية"، الدور الذي أصبحت شبكة الإنترنت تلعبه في عصرنا الحديث. فبعد مرور 15 عاماً على ظهور "الإنترنت"، أصبح من الميسور على مرتادي الشبكة ملاحظة الدور الذي تلعبه المدونات، ومواقع من شاكلة "فيس بوك" و"يو تيوب" و"تويتر" وغيرها من المواقع والتطبيقات الرقمية، في دمقراطة وتسريع عملية الإبداع الثقافي ونشره وسط أكبر قطاع ممكن من مستخدمي الشبكة. ووجهة النظر الرئيسية التي يركز عليها "واسيك" في كتابه، هي أنه قد غدا بمقدور المبدعين الرقميين معرفة درجة القبول والشعبية التي تحظى بها عملياتهم الإبداعية على الشبكة والتصرف بناء على هذه المعرفة. والمؤلف يصف ذلك بأنه يمثل عمليه تفاعل فوري لا تنتهي وتخضع لتجديد ذاتي على الدوام. فنظراً لأن هؤلاء المبدعين يعرفون أثناء ممارسة نشاطهم الإبداعي أنهم مراقبون، أو أنه بمقدور الآخرين من مستخدمي الشبكة الاطلاع على ذلك النشاط، فإنهم يتصرفون وفي ذهنهم هذا الهاجس -أي أنهم مراقبون- فيقومون بتصميم إبداعاتهم بطرق تكفل اجتذاب أكبر عدد ممكن من المستخدمين لمواقعهم. من هذه الطرق، على سبيل المثال، طرح آراء جديدة حول موضوع ما، ويفضل أن تكون غير مألوفة أو مختلفة عما هو سائد، وذلك من أجل استثارة رغبة الآخرين، ودفعهم للدخول معهم في محادثات. وبعد أن الانتهاء من ذلك يعملون على مراجعة البيانات الإحصائية لمعرفة عدد الذين ترددوا على موقعهم، والموضوعات التي تفاعلوا بها معهم، كي يحددوا أي تلك الطرق والتكتيكات المتبعة كان ناجحاً وأيها لم يكن كذلك، ومن ثم تعديل مواقفهم أو أساليبهم بناء على ذلك. وبتكرار هذه الأنشطة، يطور مثل هؤلاء الأشخاص ما يطلق عليه المؤلف "العقلية الإعلامية"، أي العقلية الواعية بقدراتها، والقادرة على تسويقها، والشغوفة بالأرقام والإحصائيات، والمهووسة بلفت الانتباه، وتصميم التحولات المفاجئة. ينتقل المؤلف إلى نقطة أخرى، وهي دور الفضاء الإلكتروني في تشكيل المناقشات السياسية، فيقول إن تلك المناقشات تتفرع على شبكة الإنترنت إلى آلاف أو عشرات آلاف القصص التي يسميها الكاتب "النانو قصص"، أي القصص فائقة الصغر، مما يؤدي إلى قدر كبير من التشويش وفقدان الاتجاه. ولتعزيز وجهة نظره، يحكي المؤلف عن العديد من المحاولات التي قام بها على الشبكة، من أجل خلق شخصية مميزة له، من خلال التحكم في المعلومات التي يقدمها والتي يتم طلبها عادة عند فتح موقع شخصي، أو فتح موقع للتدوين "بلوج"، أو حتى عند زيارة موقع ما، وكيف أنه تمكن من المشاركة في كل حملة من حملات الدعاية على الشبكة، واستخدامها في نقد مرشحي الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2008. وهو يبرر ما فعله بالقول إنه أراد أن يختبر بنفسه، ومن خلال التجربة المباشرة، حدود الدور الذي تلعبه شبكة الإنترنت في تحديد مصير الانتخابات، وهو دور فهمه أوباما جيداً، وسخره لمصلحته، وتمكن خلاله من زيادة شعبيته، و جمع أموالاً طائلة لدعم حملته الانتخابية. والمؤلف يكتب من أعماق صناعة الثقافة المتمحورة حول نيويورك، وهي ثقافة يصفها بأنها قد لا تدعم وجهة نظره؛ لأن معظم المدونين في النهاية هم من الأشخاص الذين يهتمون بتبادل صور أبنائهم مع الأصدقاء والعائلة أكثر من اهتمامهم بصياغة أو رسم ملامح المجال الثقافي الأكثر اتساعاً. ورغم ما يبديه المؤلف من ميل واضح لاستخدام لغة خاصة هي في حقيقتها مزيج من التعبيرات الفخمة التي تميز خطاب الإنتلجنسيا الأميركية المخلوط بقدر من العامية الجزلة التي اعتاد مخاطبة قرائه في مجلة "هاربر" بها، فإن الشيء المؤكد هو أنه نجح في شرح الكيفية التي نجحت بها "الإنترنت" في جعل الثقافة أكثر تعقيداً من ناحية، وأكثر ضحالة من ناحية أخرى. ويبدي المؤلف تفاؤلاً حذراً بشأن قدرة الثقافة الرقمية التي يصفها أيضاً بالثقافة الفيروسية؛ (لأن انتشارها يتم بالسهولة نفسها التي يتم بها انتشار الفيروس) على خلق مجتمع أكثر عدلاً. وهو يرجع ذلك لصعوبة التمييز بين ما يمكن الاعتماد عليه من معلومات وبيانات ومالا يمكن الاعتماد عليه، وتلك التي لا يمكن الاعتماد عليها، وهي قدرة يقول إنها لا تتوافر للجميع بالقدر نفسه. وفي نهاية كتابه، يؤكد المؤلف أن انفجار الإبداع الذي يتم من خلال الاستعانة بإمكانات "الإنترنت"، لا من الموهبة الحقيقية، لن ينتج في النهاية سوى أشياء لن تكون لها قيمة دائمة، وهو يقترح شيئاً شبيهاً بالصوم الرقمي من أجل ضبط المنظور. ثم ينهي الكتاب بهذه العبارة الدالة: "يجب علينا أن نتعلم كيف نحيد (النانو قصص) أو على الأقل كيف نقطع عنها الزاد الذي تتغذى عليه، وتساهم من خلاله في خلق تلك الحالة من الفوضى في الفضاء الرقمي". سعيد كامل ------- الكتاب: ثم إليكم هذا أيضاً: كيف تعيش القصص وتموت في الثقافة الفيروسية المؤلف: بيل واسيك الناشر: فايكنج أدالت التاريخ: 2009