يرى بعض المراقبين أن المظاهرات التي تشهدها إيران تتجاوز مجرد التعبير عن رفض شعبي لنتائج الانتخابات المعلنة، فهي، في نظرهم، ثورية الطابع مثلما هي ثورية أجندتها على نحو واضح أيضاً. كما اتسمت هذه المظاهرات بسعة انتشارها وتحديها. وفضلاً عن ذلك اتسمت بحضور كثيف للشباب والنساء. كما يلاحظ أن هاتين الفئتين تستخدمان كاميرات الهواتف النقالة والمواقع الإلكترونية القائمة على الشبكات الاجتماعية في التواصل مع العالم الخارجي. ويمكن القول إن في وسع النظام الحاكم احتواء هذه المظاهرات بوسائل القوة والعنف، إلا أنه ليس بوسعه إسكات أصوات المحتجين. والذي يدعو المراقبين إلى وصف أجندة هذه الحركة بالثورية، هو أنها لا تدعو لتغيير النظام الحاكم الآن، غير أنها تطالب بالتحلي باستقامة السلوك السياسي، إضافة إلى مطالبتها بحرية التجمع، مع ملاحظة أن جميع هذه المطالب ذات جذور عميقة في نظام الحكم الديمقراطي. وتتجلى هذه المطالب بوضوح في مضمون اللافتات والشعارات التي حملها المتظاهرون مثل: أين ذهب صوتي؟ كما يتأكد الطابع الثوري للحركة من إصرار المتظاهرين على الاحتجاج والتظاهر، متحدين بذلك القوة التي رد بها النظام على التظاهرات. هذا إضافة إلى أن حركة التظاهرات هذه تختلف اختلافاً كبيراً عن الثورة الإسلامية التي شهدتها إيران في عام 1979. حينها تمكن الخميني من حشد صفوف رجال الدين المحافظين، وكذلك قوات الجيش وعامة الجمهور الإيراني ورصها في مواجهة نظام الشاه، مما أدى إلى إطاحة النظام واستبداله بنظام ثيوقراطي أو ما يعرف بالدولة الدينية. أما حركة التظاهرات هذه، فقد التفت حول مرشح المعارضة "مير حسين موسوي" لتطالب بما تقول إنه النزاهة والاستقامة السياسية. ومن السخرية أن تكون حركة التظاهرات هذه قد حولت "موسوي" من مرشح رئاسي ينبذ منبره الانتخابي ممارسات الفساد وعزل إيران عن المجتمع الدولي، إلى رمز لتطلعات الشعب الإيراني لنظام الحكم الديمقراطي، في نظر المراقبين الغربيين. ومن وجوه الاختلاف أيضاً أن ثورة الخميني استمدت تأييدها الشعبي من معارضة الدعم الذي كانت تقدمه واشنطن لنظام الشاه، وقد رفع المشاركون فيها شعارات مثل "الموت لأميركا". أما مؤيدو "موسوي" من متظاهري اليوم، فقد رفعوا شعارات مثل "الله أكبر" في محاولة منهم لتأكيد ليبرالية الإسلام ووقوفه إلى جانبهم. وقد حذر رجل الدين الشهير منتظري في تصريح له مؤخراً من مغبة استخدام العنف ضد المتظاهرين، قائلاً: "إن من الحرام البيّن الذي يتنافى مع مبادئ الإسلام وتعاليمه مقاومة الشعب خاصة استخدام العنف ضده". بل إن هناك من دان قمع المتظاهرين من داخل دوائر النظام الحاكم نفسه، مثلما فعل عمدة طهران والقيادي المحافظ محمد باقر قاليباف. فقد صرح عبر قناة التلفزيون الإيراني الحكومي قائلاً: "إن علينا الأخذ في الاعتبار بمشاعر المواطنين إزاء النتائج الانتخابية.. وهذا مما لا يمكن فعله عن طريق اللجوء إلى العنف". يجدر بالذكر أن المؤسسة الدينية المحافظة الحاكمة في إيران سبق لها أن واجهت مطالب قوية بالإصلاح السياسي، لاسيما في عام 1997 الذي فاز فيه الإصلاحي محمد خاتمي بالرئاسة. وجاء أيضاً فوز خاتمي الساحق بالرئاسة لولاية ثانية في عام 2001 تأكيداً لدعم الشعب الإيراني للمطالبة بالمزيد من الديمقراطية والانفتاح في نظام الحكم السياسي، على رغم أن تلك المطالبة لم ترقَ إلى مستوى تحدي نظام الحكم القائم. ولكن أرى أن المظاهرات هذه تختلف عن كل المطالبات السابقة في مساءلتها لشرعية المؤسسة السياسية الدينية الحاكمة نفسها، وهي المرة الأولى التي تحدث فيها مساءلة كهذه منذ بداية الثورة في أواخر سبعينيات القرن الماضي. يذكر أيضاً أن الخميني قد بنى سلطة الثورة السياسية الدينية على مفهوم ولاية الفقيه، وبذلك يكون قد وضع السلطة كلها بيد رجال الدين الذين أنيطت بهم مسؤولية تصريف شؤون الحكم وفقاً لمبادئ وتعاليم الشريعة. وفوق ذلك، فقد كانت فكرة الدولة الإسلامية من صميم منطلقات الثورة الإيرانية في عام 1979. كما أن العدالة تمثل قيمة أساسية من قيم الإسلام، وعليه فإن على القائد الأعلى للثورة أن يكون قدوة وتجسيداً عملياً لهذه القيمة. وحين وجه رجل الدين "منتظري" انتقاداته للخميني في عام 1989، كان أشد ما أخذه عليه هو حرمان الشعب الإيراني من حقوقه الأساسية والتنكر لقيم الثورة الأصيلة. وخلال معارضته لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، طالب المرشح المنافس "موسوي" النظام القائم بتوفير العدالة التي وعد بها الإسلام المسلمين. والحاصل أن المؤسسة الحاكمة تواجه الضغوط والتحديات من داخل صفوفها. فقد أشارت بعض التقارير إلى حشد الرئيس الأسبق رفسنجاني الدعم اللازم للإطاحة بحكومة "نجاد" الحالية. وحسب الموقع الإلكتروني الإيراني المحافظ "رؤية"، فقد حصل رفسنجاني سلفاً على تأييد أغلبية "مجلس الخبراء" تقريباً. كما أشارت التقارير الإخبارية إلى سعي رفسنجاني لتشكيل مجلس للقيادة ليحل محل مؤسسة "القائد الأعلى للثورة". وفيما لو كان موسوي هو الفائز حقاً بنتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن في ذلك ما يؤكد تعبير المظاهرات التي تشهدها إيران عن رأي الأغلبية الشعبية.