في الأسبوع المقبل، سوف يسافر الرئيس أوباما إلى موسكو لحضور قمة مع الرئيس الروسي "ميدفيديف"، وهو ما يوفر فرصة يجب استثمارها ليس فقط في التعاطي مع حكومة روسيا، وإنما أيضاً في التواصل المباشر مع شعوب العالم الناطق بـ"الروسية". وكانت إدارة أوباما على حق، عندما ركزت على الحاجة للتواصل المباشر مع المسلمين. ففي هذا الإطار، نجح أوباما الشهر الماضي، وهو محاط بمئات الشباب، وطلاب ونشطاء في القاهرة، في توصيل رسالة بليغة للغاية عن قيم أميركا وآمالها في علاقة أفضل مع العالم الإسلامي، تقوم في جوهرها على الاحترام الحقيقي. حتى الآن، لم تتم صياغة خطاب رئيس للوصول إلى قلوب وعقول العالم المتحدث بـ"الروسية"، غير أن هذا الخطاب، يجب أن يكون جزءاً من أجندة أوباما أثناء زيارته القادمة لموسكو، خصوصاً أن الروس، والأغلبية العظمى من جيرانهم، يعانون من قصور ديمقراطي يمكن مقارنته بذلك القصور الذي تعاني منه شعوب الشرق الأوسط، بل يقل أحياناً عن قصور دول الاتحاد السوفييتي السابق، باستثناء دول البلطيق الثلاث، حسب منظمة "فريدوم هاوس" غير الحكومية. ففي معظم تلك الدول، ومنها روسيا نفسها، توجد نخب حكم فاسدة ومتحكمة، تستغل موارد بلدانها من أجل مراكمة ثرواتها بطرق غير مشروعة. أما الانتخابات التي يتم إجراؤها بين الحين والآخر، فهي في حقيقتها عبارة عن تمرينات عديمة المعنى تخلو من المنافسة، كما أن أي مجموعة مجتمع مدني جديدة تتجرأ على محاولة التدخل في الموضوعات السياسية الحساسة، مثل حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، تتعرض للخنق وأحياناً للقمع بشكل وحشي للغاية. وفي داخل روسيا، تعمل كافة وسائل الإعلام الجماهيرية كأبواق للكرملين، كما يتم قصف الشعب الروسي بحملات دعائية معقدة تمتح من شعوره القومي، وتخترع أعداء خارجيين لتبرير إحكام قبضتها على السلطة، وتُعدل المناهج التعليمية لتعظيم الإنجازات السوفييتية والتغطية على إخفاقاتها. ويشار إلى أن الرئيس "ميدفيديف" قد أصدر الشهر الماضي قراراً بإنشاء لجنة جديدة مهمتها الأساسية حماية التاريخ الروسي. وهذه المهمة سوف تشمل معارضة الروايات التاريخية التي تصور روسيا بشكل سلبي. واللافت للنظر أيضاً أن الكنيسة الأرثوذكسية تغذي فكرة الدولية الروسية القوية والاستثنائية. علاوة على ذلك، استغلت وسائل الإعلام الروسية المشاعر المناوئة لبوش من أجل تشوية فكرة الحرية والديمقراطية، وعرض تلك القيم على أنها لا تتفق مع التقاليد والثقافة الروسية. لقد سبق لحجج مماثلة أن قيلت عن ثقافة وتاريخ الشعوب الآسيوية والأميركية اللاتينية وأتباع العقيدة الرومانية الكاثوليكية، لكن حقائق الواقع كذبتها فيما بعد، وأظهرت أن كافة الشعوب تريد الاستمتاع بحرياتها الأساسية. السؤال هنا هو: هل يمكن لخطاب يلقيه أوباما مواجهة هذه الحملة المتطورة والتي تتوافر لها إمكانات جيدة؟ بالطبع لا يمكن لمثل هذا الخطاب في حد ذاته أن ينجز ذلك، لكن ليس هناك شك في أنه، وكما حدث في القاهرة، سيكون خطوة مهمة إذا ما قُدم بالشكل الصحيح. والروس من الشعوب التي لا تحب أن يعظها الأجانب، مثلهم في ذلك مثل المصريين، والأتراك، والإيرانيين، والأميركيين بالطبع. لكن تلك الشعوب تتجاوب مع الخُطب الصريحة والمحترمة التي تؤكد رغبات أميركا الحقيقية، ليس في وجود روسيا ضعيفه وخاضعة، وإنما في وجود روسيا قوية تشاطرها ديمقراطيتها، وقيمها، ويمكن أن تكون شريكاً في معالجة بعض أزمات العالم المتنامية. بيد أننا يجب أن نعرف أن التقارب مع الشعب الروسي لن يحل مشكلة الكرملين الذي يقمع الحرية والديمقراطية. وإذا ما كان هناك شيء تعلمناه من تجربة السنوات الثماني الماضية، فهو ضرورة التركيز على كسب عقول وأفئدة الشعوب. وها نحن قد بدأنا بالفعل في إعادة ضبط علاقتنا مع الحكومة الروسية، ويجب أن لا ننسى في أي وقت ضرورة فعل الشيء ذاته مع الشعب الروسي أيضاً. ------- بولا شرايفر مديرة الدفاع عن الحريات في مؤسسة "فريدام هاوس" ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"