لا يختلف اثنان على أهمية الحوار ودوره في التقريب بين الشعوب والحضارات، وفي إرساء التعايش لإيجاد حلول للكثير من المشكلات التي تواجه العالم، خاصة في عالم اليوم، حيث تتشابك المصالح وتتعقد المشكلات. كما أن للحوار دوره في حماية الأمن والسلم العالميين... لذلك فإن حوار أميركا مع العالم الإسلامي، والذي أخذ يتحرك بعد خطاب الرئيس الأميركي أوباما في القاهرة، وتعيين "فرح بانديت" كمبعوثة خاصة للعلاقات مع العالم الإسلامي، يأتي في وقت بالغ الأهمية لكلا الطرفين. فالعالم الإسلامي يشعر منذ مدة طويلة بحاجة ماسة لتفعيل مثل هذا الحوار، ليس فقط مع أميركا مع العالم الغربي بأكمله للبحث عن حلول لمشكلاته مع الطرف الآخر. وأميركا هي الأخرى أحست بالشعور نفسه وأدركت أهمية هذا الأمر في معالجة لكثير من المشكلات بينها وبين العالم الإسلامي الذي يمثل أكثر من خمس سُكان العالم، وفيه تتركز معظم الثروات العالمية المعدنية والنفطية. وهُناك العديد من التراكمات السلبية التي تحتاج إلى علاج وإزالة بين الطرفين، والتي كانت لها آثار عميقة في عدم اكتمال مثل هذا الحوار، خاصة فيما يتعلق بحقبة الحروب الصليبة، ثم حقبة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، ووعد بلفور، والدعم الغربي لإسرائيل، والحرب على العراق وأفغانستان، ولغة الكراهية السائدة في وسائل الإعلام ومناهج التعليم الغربية، والربط المتواصل بين الإسلام والإرهاب، والتنظيرات الفكرية الغربية التي تصور الإسلام كعدو... وهُناك أسباب وعوامل أخرى تؤثر على سير هذا الحوار وفاعليته، لا بد من دراساتها ومعالجتها، وأهمها سوء الفهم بين الطرفين، وأعني بذلك التصورات المغلوطة في الغرب حول الإسلام والعالم الإسلامي، وكذلك فهم العالم الإسلامي للغرب بما ينطوي عليه ذلك الغرب من "تصور تآمري". وحسب دراسة لمركز "جالوب"، فإن غضب المسلمين من أميركا ليس بسبب كراهيتهم لديمقراطيتها، بل بسبب السياسات والمواقف الأميركية تجاه القضايا العربية والإسلامية. ووفقاً للدراسة نفسها، فإن التطرف والعنف والإرهاب مرفوضة كلها من الشعوب المسلمة، ولا توجد علاقة بين العنف والتدين. إن استعادة الثقة بين الطرفين، أميركا والعالم الإسلامي، أمر لا يأتي بخطاب أو قرار تعيين فقط، بل يحتاج إلى إزالة روح الاستعلاء التي سادت في الفترة السابقة والتخلي عن موضوع الهيمنة وسلطة الأمر الواقع... واستبدال لغة القوة بلغة الحوار، والتركيز على القواسم المشتركة، الحضارية والجغرافية والفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسة، بين الطرفين، فالغرب، كما يقول "روبن كوك" وزير خارجية بريطانيا السابق، مدين للإسلام بالشيء الكثير، فالإسلام وضع الأسس الفكرية لمجالات كثيرة في الحضارة الغربية. ومن أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة الإسلامية شيء غريب عنا، والحقيقة أن الثقافتان، الغربية والإسلامية، قد تشابكتا مع بعضهما البعض عبر التاريخ والأجيال وتتشابكان حالياً ويجب أن تستمرا في التشابك. هذا التشابك الذي تحدث عنه كوك تبدو صورته الآن عند الطرف الأميركي الذي أعطى بعض المؤشرات الإيجابية للدلالة على أنه يتجه نحو فهم إشكالية هذه العلاقة بصورة واضحة، تحترم الحوار بين الطرفين. ويكفي مثال على ذلك ما ذكرته "داليا مجاهد" عضو اللجنة الاستشارية للشؤون الدينية التابعة للبيت الأبيض، لمجلة "نيوزويك" العربية الصادرة في 30-06-2009 عندما قالت: إنه قبل ثلاثة أسابيع من موعد خطاب الرئيس أوباما تلقيت تكليفاً بتقديم أفكار واقتراحات تتعلق بعلاقة المسلمين مع أميركا، كي يضمنها الرئيس في خطابه من القاهرة. قدمت تقريراً من 5 صفحات وتم تلخيصه وتكثيف أفكاره في اجتماع لمجلس الرئيس الاستشاري. وقد أوصيت في تقرير بأن يتحدث الرئيس في خطابه عن مساهمة المسلمين في الحضارة الإنسانية وأن يستشهد بآيات قرآنية شاملة تركز على التواصل البشري، وألا تتم الإشارة إلى مصطلح "الإرهاب" الذي أصبح سيئ السمعة، خصوصاً في العالم الإسلامي، وأن يتم استبداله بمصطلح "التطرف العنيف". كان تركيزي على ثلاثة أفكار رئيسية: الاحترام المتبادل، وتأكيد أن التعاون مع المسلمين ينبغي أن يكون متكافئاً، والحديث عن الأمور التي تغضب المسلمين من الولايات المتحدة مثل الصراع العربي- الإسرائيلي والعراق وأفغانستان وجوانتانامو... هذه الأفكار، تقول داليا، اقترحتها انطلاقاً من الاستطلاعات التي أجريتها في العالم الإسلامي وقد أخذ بها الرئيس أوباما وجعلها عصب خطابه إلى المسلمين.