تُعرف الدول وتعرّف في هذا الزمن العولمي بأدوارها الريادية، وليس بمساحاتها الجغرافية أو بأعدادها السكانية الهائلة ولا بأموالها الطائلة على رغم أهمية كل ذلك وفق مضمون نظريات الجيوبوليتك الاستراتيجية، مع وجود دول تتوافر لها كل إمكانات الصعود والريادة إلا أن إرادة الفعل لديها عاجزة أو معيقة لاتخاذ قرارات شجاعة ومؤثرة على المستوى العالمي. إن فوز الإمارات باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة من بين منافسين من العيار الثقيل ليس في المجال السياسي فقط، وإنما كذلك في مجال الطاقة المتجددة كدولتين مثل ألمانيا والنمسا لديهما تاريخ عملي في هذا المضمار، هو دليل قاطع بأن ملف الإمارات كان كذلك من العيار الثقيل في تحملها ثقل المسؤولية العالمية عن هذا القادم الجديد إلينا وباختيارنا وقد عبرنا دول العالم لنيل هذه المكانة الفريدة. فمكسب الإمارات اليوم، ليس ذاتياً فقط وإنما هو كذلك كسب لثقة الدول العربية والإسلامية التي دعّمت هذا المسار وقوّت قلب الإمارات لخوض هذا المعترك نيابة عن كل الذين وضعوا ثقتهم بها وهم يعلمون علم اليقين بأن الإمارات أهل لذلك، ولذا كان فوزاً مستحقاً بدرجة امتياز ليس في الدرجة فقط بل الأهم من ذلك، هو النوع والمقصود به الدور العالمي المنوط به في مرحلة التمكين من مسيرة الدولة. والذي اطلع على العرض التفصيلي لملف الإمارات يعلم جيداً أن ثقل ذلك الملف كان من قدرتها الواقعية على تحمل كل المسؤوليات والالتزامات المترتبة على تبني الدولة لهذا التوجه الجديد في عالم القمم. ونأتي الآن إلى أهمية الاهتمام بالطاقات المتجددة لدى دولة بترولية لا تشكو نقصاً في هذا المورد، بل إن الدراسات الجيولوجية تؤكد على أن المخزون الاحتياطي من البترول يكفي احتياجات الدولة الفعلية لمدة لا تقل عن قرن من الآن حسب التقديرات المتاحة بين أيدي الباحثين في هذا الشأن الحيوي. وإذن، ما الذي يُعجّل بالدولة لاتخاذ مثل هذا القرار النوعي ليس على المستوى المحلي، بل العالمي والدولي، وهي لديها ما يكفيها من البترول الخام ما لا يخشى عليه النضوب لفترة طويلة قادمة. إن الموضوع برمته لا يخص المتاح، بل بما هو آت في قابل الأيام، فهاجس المستقبل والتفكير الرشيد هو الذي ألهم القائمين على الشأن الدبلوماسي لبذل الجهود المضنية لإنجاح هذه الخطوة الاستراتيجية، من أجل التمهيد لوضع حكومة الإمارات خلال السنوات القليلة المقبلة على رأس أفضل الحكومات في العالم. ولاشك أن مشروعاً لحماية الأرض من الملوثات وبهذا الحجم شهادة تأهيل لأخذ المبادرة نحو خطوات متقدمة حتى يأتي وقت قطاف الثمرة اليانعة من بعد النظر الذي يتمثل في بناء صرح كمدينة "مصدر" لإثبات الحقائق للعالم أجمع بأن الملف الثقيل الذي قُدم بين يدي الفوز بهذا المقر المهم لم يكن مليئاً بالشعارات الرنانة والطنانة وإنما مشحون بأعباء الالتزامات الدولية التي من خلالها تم اختيار دولتنا لكسب هذا التحدي لما بعد الفوز بالمقر. فالإمارات رضيت بوضع نفسها في هذا السباق نحو بناء مستقبل أفضل لنفسها وللبشرية أنموذجاً يحتذى في هذا الطريق المليء بالتحديات للإمساك بخيوط التنمية المستدامة والتي تقوى على تبني مثل هذه المبادرات العملاقة من أجل أداء أدوار مستقبلية تليق بمكانة دولة الإمارات في عيون العالم المتقدم عندما وضع ثقته بها وسحب ملفاتها كلها من أمام الملف الذي أرانا "إيرينا" في دولتنا الرشيدة.