يبدو الصمت الدولي مريباً حول ما تقوم به إسرائيل من تهويد علني ومبرمج للقدس، ومن تصعيد لخطط الاستيطان على رغم كل الالتزامات الدولية بمنعه، ونجد من الضروري الآن القيام بعمل إعلامي ثقافي نوعي لتحريك الرأي العام العالمي لمواجهة ما يجري في القدس، وقد أقمنا في دمشق في الأسبوع الأخير من شهر يونيو الماضي 2009 مؤتمراً دولياً بالتعاون مع مركز آرسيكا في إسطنبول للبحوث، لدراسة الوثائق العثمانية التي تبين ما كانت عليه حال القدس عمرانياً يوم بدأ هرتزل يدعو إلى تنشيط الهجرة اليهودية وإقامة دولة يهودية في فلسطين، وعبر دراسة هذه الوثائق تبدت الصورة النشطة لما كانت عليه القدس خلاف الصورة النمطية التي كانت تخفي الحقيقة النضرة للحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية في القدس، كما تبدت أهمية المعالم العمرانية التي ينبغي الحفاظ عليها؛ لأنها ذاكرة المدينة المقدسة، مثل السور الذي بناه السلطان سليمان القانوني والذي بلغ طوله مع أبراجه نحو أربعة كيلومترات ونصف الكيلومتر، وفيها من الزخارف الإسلامية ما يزيد على خمسمائة قرص مزخرف، فضلاً عن اللوحات الحجرية الكتابية. كما أضاءت هذه الوثائق سجلات محكمة القدس الشرعية ودفاتر التحرير العثمانية التي أرخت للأرض وللحجر وللبشر وللأموال، واستعادت الوثائق ذاكرة التعليم في القدس والمؤسسات الخيرية التي كانت تنشط فيه. وهي تكشف انفتاح القدس لكل البعثات التعليمية الأجنبية التي بدأت تنتشر وتكبر بشكل أشعر الدولة العثمانية بالخطر من أهدافها في مطلع القرن العشرين. وكانت أهم مدارس القدس الإسلامية تلك المحيطة بالمسجد الأقصى، أو المتصلة به مثل الصلاحية والدويدارية والأشرفية. كما قدمت لنا الوثائق سجلات الأوقاف الإسلامية والمسيحية، وأشارت إلى أسبلة المياه وإلى التكايا والمدارس الوقفية التي كانت تقدم خدمات اجتماعية جلّى، وأشارت إلى البيمارستان الأيوبي الذي بناه صلاح الدين واستمر في عمله الطبي حتى نهاية العهد العثماني. وكان من أكثر ما تأملته الوثائق تلك الكتابات والزخارف في قبة الصخرة وفنون الخط العربي فيها، كما أشارت إلى المخطوطات التي تحدثت عن القدس والتي كتبها رحالة عرب وأجانب، وكان من أهمها وصفاً للقدس "سوانح الأنس برحلتي لوادي القدس" لمصطفى أسعد الدمياطي، الذي أرخ للمدينة في القرن الثامن عشر الميلادي. والحديث يطول عما قدمته لنا تلك الوثائق من حقائق ينبغي أن تكشف للمجتمع الدولي ولأصحاب القرار الذين خدعتهم آلة الإعلام الصهيوني حين طمست معالم العمران العربية والإسلامية والمسيحية من القدس. فقد هدمت قوات الاحتلال مؤخراً ألفاً وسبعمائة منزل ليصل عدد المنازل التي هدمت إلى تسعة آلاف منزل منذ الاحتلال عام 1967، فضلاً عن الأراضي التي صادرتها إسرائيل وهي تتابع بناء الأبراج العالية التي تنافي النسيج العمراني وتشوه محيط المسجد الأقصى! وصمت المجتمع الدولي غير مبرر على هذا التحدي الإسرائيلي، فمن لا تأخذه الغيرة على القيم الدينية المقدسة مطالب بموقف من أجل الحفاظ على التراث الإنساني. والعجيب أن منظمات دولية مثل "اليونسكو" تتدخل في رقابة المباني الأثرية في كل المدن ذات القيمة التاريخية، ولكننا لا نرى أي تدخل حول الجرائم الكبرى ضد الآثار التي ترتكب في القدس وأوابدها مسجلة على لائحة التراث العالمي، ويعني تهويدها طمس كل تاريخ مسيحي وإسلامي عريق فيها. وقد تابعنا باهتمام ما قدمه الشيخ تيسير التميمي في كلمته في المؤتمر من معلومات ميدانية وهو يستثير الهمم، لا سيما همة منظمة المؤتمر الإسلامي للقيام بواجب ديني وإنساني، والمطلوب ممكن كما أعتقد، فهو حملة عامة لدفع المجتمع الإنساني ومنظماته غير الحكومية لاتخاذ موقف حازم تجاه ما تفعله حكومة الاحتلال الإسرائيلية، فهي تتابع اليوم حفريات جائرة تهدد المسجد الأقصى، وتسعى إلى حلم أسطوري هو بناء الهيكل المزعوم مكانه. ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية تعيش حالة نادرة من الغرور والغطرسة، فلا تعنيها قرارات الشرعية الدولية، ولا تعنيها تقارير وتوصيات اللجنة الرباعية، وهي تلهو بما سمي خريطة الطريق. وآخر المطاف جاء خطاب نتانياهو رفضاً صريحاً لخطاب أوباما في القاهرة حين أعلن إصراره على الاستمرار في توسيع المستوطنات بذريعة النمو، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل غير معترف بأي حق عربي أو إسلامي أو مسيحي أو إنساني. وكانت الأنباء قد كشفت منذ شهور عن تحالف بينه وبين حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي يرأسه المتطرف ليبرمان (قبل تشكيل الحكومة الجديدة) يقضي بتوسيع مستوطنات في الضفة الغربية مثل "معالي أدوميم"، حيث سيتم بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية شمال القدس. كما تستعد إسرائيل حالياً لبناء أحياء استيطانية داخل القدس الشرقية في حي الشيخ جراح. وثمة تهديد بهدم منزل مفتي فلسطين المرحوم الشيخ أمين الحسيني. ويقال إن هناك خطة مبرمجة لدى الحكومة لهدم كل منازل العرب في المنطقة الشرقية من القدس بحجة عدم وجود تراخيص. وأما أبو ديس، فقد تهودت عبر مشاريع البناء الخاصة باليهود، ويستمر المستوطنون في الهجوم على أهالي القدس بهدف إجبارهم على الرحيل. فقبل مدة قريبة، هوجمت حارة السعدية، وقام إسرائيليون بسرقة الأحجار الأثرية من القصور الأموية جنوب شرق المسجد الأقصى في منطقة الخاتونية، وفي كل ساعة تحمل إلينا الأخبار نبأً مؤلماً عما يحدث في القدس من ظلم وطمس للهوية وتهجير للسكان الأصليين أصحاب الحق الشرعي الذي أقرته كل الشرائع قبل أن تقره الأمم المتحدة. وبما أننا نحتفل بالقدس هذا العام عاصمة للثقافة العربية، فإن السؤال البسيط الذي ينبغي أن نطرحه على المجتمع الدولي وقادته: هل يرضيكم طمس معالم حضارية عربية وإسلامية ومسيحية وتحويل القدس إلى مدينة يهودية صرفة وهي التي كانت عبر التاريخ كله مدينة الأديان السماوية كلها، وملتقى الثقافات؟ إننا مطالبون بإقامة حملة دولية لإنقاذ آثار القدس وعمرانها التاريخي، ولإنقاذ هويتها المسيحية والإسلامية من الضياع، وعلينا أن نفيد من التوجهات السياسية التي أعلنها أوباما ضد الاستيطان، وهذا الموقف الأميركي ليس جديداً، فمنذ أيام جيمس بيكر كانت الإدارة الأميركية تدرك خطر ما تفعل إسرائيل وكونه يشكل عائقاً حقيقياً أمام السلام. ونذكر قول بيكر عام 1991 في الكونجرس "في كل مرة أذهب فيها إلى للبحث في عملية السلام يواجهني الإعلان عن بناء مستوطنات جديدة، وهذا يخالف سياسة الولايات المتحدة". وقد تابعنا مؤخراً إلغاء اجتماع بين نتانياهو وميتشل بسبب موقف نتانياهو من تجميد المستوطنات، والطريف أن نتانياهو هو الذي طلب الإلغاء، لكن الإدارة الأميركية وعدت بحملة لإقناع الكونجرس باتخاذ موقف، وبالطبع علينا ألا نسلم الأمر لأوباما ونقعد منتظرين نتائج حملته التي نخشى أن يطلب من العرب ثمناً لها هو قبول التطبيع الكامل مقابل تجميد الاستيطان، وبذلك يضيع حق العودة وتضيع القدس نهائياً، ويعتبر وقف الاستيطان إنجازاً جديراً بثمن باهظ، وهذا ما يدعونا إلى تكثيف حملة إعلامية وثقافية وسياسية في العالم تقودها منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية وكل الجامعات والمنظمات والمراكز الثقافية الدولية تحت يافطة الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية مع الإفادة من الموقف الأميركي والأوروبي الرافض للمستوطنات على رغم كون هذا الرفض كلامياً محضاً لم يرق إلى اليوم إلى حد اتخاذ مواقف عقابية للضغط الجاد على إسرائيل.