الحل الدبلوماسي للأزمة الإيرانية... ومصير العراق بعد خصخصة النفط -------- طريق الحل الدبلوماسي مع إيران، ونزاع النخب الإيرانية وتأثيراته، والتداعيات السياسية المحتملة لعقود النفط العراقية، وتحديات "سلطة الشعب" في بريطانيا. موضوعات نستعرضها ضمن جولة سريعة في الصحافة البريطانية: -------- "مسايسة" طهران: في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي نشرت "الجارديان" مقالا تحليلياً للكاتب "جوناثان فريدلاند" استهله بالقول: لقد أثبتت تنبؤات ديك تشيني صحتها في نهاية الأمر. فقد استقبل العراقيون الجنود الأميركيين بالرقص والحفلات العامة في الشوارع وبالورود كما تنبأ تشيني. ولكن ذلك لم يحدث عند استقبالهم للجنود الغزاة كما كان التوقع، إنما عند بدء انسحابهم من المدن والضواحي العراقية التي كانوا يرابطون فيها طوال السنوات التي تلت الغزو. وبينما بدأت الأزمة العراقية في الانحسار، برزت أزمة إيران التي تهدد الآن بتحديدها لمصير إدارة أوباما مثلما حدد العراق مصير إدارة سابقه بوش. وهناك من يقول اليوم إن بوش قد أخطأ في غزوه للعراق، ثم يلاحظ بروز ذات الوجوه والشخصيات التي نشطت في حث واشنطن ودفعها إلى غزو العراق. فقد كتب "وولفويتز" مقالا انتقد فيه ما وصفه بسلبية الرئيس أوباما إزاء حركة المتظاهرين والمحتجين على نتائج الانتخابات الرئاسية المعلنة في إيران، وقال إن على أوباما أن يضع ثقل الدبلوماسية الأميركية كلها وراء المتظاهرين على النظام الحالي. فهل في مثل هذه التحركات ما يجعل ممكناً تكرار ما حدث في العراق عام 2003 مرة أخرى في الجارة طهران؟ كثيرة هي الأسباب التي تمنع تكرار كارثة كهذه. والأرجح أن يبحث النظام الإيراني -المطعون في شرعيته- عن عدو خارجي يساعده على التفاف الجماهير حوله مرة أخرى. وربما يكون استفزاز إسرائيل عسكرياً هدفاً ملائماً لطهران في الوقت الحالي. وعلى هذه الأخيرة أن تتوخى الحذر. أما إدارة أوباما فعليها أن تدفع باتجاه تغيير سياسات النظام الإيراني وليس تغيير النظام نفسه. ولتبدأ ذلك بشجبها لوحشية استجابة النظام للمتظاهرين ضده. النزاع القيادي في طهران: هذا ما تناولته مجلة "ذي إيكونومست" في افتتاحيتها المنشورة في عددها الأخير. ويتلخص الرأي هنا في أن مظاهرات الشوارع والمدن الإيرانية قد انحسرت أو انطفأت نيرانها. ولكن لا يزال من المبكر جداً استبعاد حدوث أي تطور في المستقبل القريب، ربما يدفع بملايين الإيرانيين إلى الشوارع تارة أخرى، ويرغم النظام الحاكم على إعادة الانتخابات. وحتى في حال حدوث تطور كهذا، فإنه يجب القول إن الشجاعة النادرة التي أبداها ملايين المتظاهرين الإيرانيين لم تذهب هدراً. والدليل أن المؤسسة التقليدية الحاكمة لم تذق طعماً للنصر بعد، كما أن الأزمة الداخلية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة لم تنته بعد. بل يجب القول إن توازن القوى نفسه قد مال ضد الوضع القائم حالياً. فلم يحدث أن علا صوت المطالبة بالمزيد من الحرية والديمقراطية في إيران طوال السنوات الممتدة منذ اندلاع الثورة في عام 1979 مثلما حدث عقب الانتخابات الأخيرة. كما لم يحدث أن شهدت المؤسسة الدينية السياسية الحاكمة في طهران انقساماً في صفوفها الداخلية مثلما نشهد اليوم علناً. ويتجلى هذا الصراع واضحاً في تأييد كل من الرئيسين السابقين رفسنجاني وخاتمي لمرشح المعارضة "موسوي" في مواجهة المحافظين بقيادة الرئيس نجاد ومؤيديه. عقود النفط ومصير العراق: في افتتاحيتها ليوم أمس علقت "ذي إندبندنت" على برنامج تلفزيوني -وصفته بالغرابة- قالت إنه كان عبارة عن بث مباشر على الهواء لمزاد علني خاص بعقود للاستثمار في ستة من حقول النفط العراقية. كما وصفت الصحيفة ذلك الإجراء بأنه يمثل انعكاساً للشكوك التي ظلت تسمم السياسة العراقية منذ عدة عقود مضت. فالمعلوم أن وجود أي أطراف أجنبية في صناعة النفط العراقي يثير الكثير من الخلافات بين الساسة العراقيين. ومنذ تأميم صدام للنفط قبل ثلاثة عقود، بدا التراجع عن تلك السياسة أشبه بالخيانة الوطنية. وعليه فإن السؤال الآن: هل يوحد النفط العراقيين أم يفرق بينهم بعد هذا المزاد العلني؟ نظرياً يبدو الاحتمال الأول هو الأقرب. والسبب أن للعراق موارد احتياطيات نفطية هائلة، ما يجعل ممكناً توسيع الاستثمار في حقول النفط وزيادة الإنتاج في أي وقت. أما عملياً، فإن على المنطقة الإقليمية والمجتمع الدولي الاستعداد لأن يكون النفط عامل نزاع سياسي طائفي إثني جديد بين العراقيين. فقد بدأت انتقادات الساسة العراقيين للمزاد قائلين إن وزير الطاقة "الشهرستاني" تجاوز البرلمان وقرر بمفرده الإعلان عن المزاد. ويزداد الاحتمال الثاني خطراً مع بدء الحكومة الإقليمية الكردية في شمالي العراق منح عقود استثمارية في مجال النفط، دون الحصول على موافقة بغداد على تلك العقود. وهذا ما يزيد المخاوف من نزعات انفصال الإقليم، خاصة ما يقال عن اتجاه الأكراد إلى ضم حقول النفط الغنية المحيطة بمدينة كركوك إلى إقليمهم. براون وتحديات "سلطة الشعب": في افتتاحية عددها الأخير الصادر يوم الأحد الماضي، قالت "ذي أوبزيرفر" إن السؤال الرئيسي الذي يواجه حكومة براون الآن هو مدى قدرتها على الوفاء بوعدها بجعل قطاع الخدمات العامة أكثر شفافية وعرضة للمساءلة والمحاسبة وأفضل استجابة لتلبية حاجات المواطنين. ولكن ما أسهل الوعود والإعلان عن النوايا، وما أصعب تحقيقها في الواقع العملي. فالتحديات العملية هي: كيف نجعل من المدارس والمستشفيات وقوات الشرطة مؤسسات أكثر فاعلية في استجابتها وتلبيتها لحاجات المواطنين، مع جعلها عرضة للمحاسبة من قبل مستخدميها؟ وكيف تكافأ المؤسسات الفاعلة، بينما تحاسب تلك التي تخفق في القيام بمهامها ودورها؟ إعداد: عبدالجبار عبدالله