تمنح الاضطرابات في إيران إدارةَ أوباما عدداً من الفرص الجديدة في السياسة الخارجية، ليس أقلها فرصة الخروج من الزاوية التي وضعت فيها نفسها بخصوص عملية السلام العربية- لإسرائيلية. فقد بدأ أوباما باستراتيجية واسعة تقوم على الضغط على إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية في آن واحد من أجل اتخاذ خطوات ملموسة في اتجاه السلام. ولكن ومع خروج الإيرانيين إلى الشوارع، تقلصت تلك الجبهة الواسعة إلى نقطة واحدة هي التوتر مع حكومة نتانياهو الإسرائيلية حول السماح بـ"النمو الطبيعي" في المستوطنات اليهودية خارج حدود إسرائيل لعام 1967. كانت الإدارة الأميركية تفهم - وعن حق - أن نتانياهو، "اليميني" الذي وصل إلى السلطة بنية واضحة في إرجاء أي تسوية إسرائيلية - فلسطينية إلى ما لا نهاية – في حاجة إلى أن يشعر ببعض الضغط العلني من قبل واشنطن حتى يغير موقفه – وأن من شأن استعراض القوة أن يضفي المصداقية على مطالبة الإدارة للزعماء العرب بالمساهمة في إنجاح عملية السلام. ولكن الإدارة، بدءا بتصريح لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في مايو الماضي، ارتكبت خطأ الإلحاح على أن "تجميداً" للاستيطان الإسرائيلي – وهو مصطلح اتفقت الإدارات الأميركية الثلاث السابقة على تعريفه بشكل فضفاض – يجب أن يعني الوقف التام لكل أنشطة البناء في الضفة الغربية وحتى القدس الشرقية. بيد أن هذا الموقف عليه ملاحظات أولها أنه يسمح للزعماء الفلسطينيين والعرب بعدم القيام بالخطوات التي طُلبت منهم بزعم أنهم ينتظرون "تجميدا" للاستيطان في الوقت الذي يستمتعون فيه بهدوء بمعركة علنية نادرة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وثانيها أن هدف الإدارة الأميركية بغض النظر عن إيجابياته غير قابل للتحقق على اعتبار أنه لا توجد أي حكومة إسرائيلية وافقت على تجميد الاستيطان من دون شروط، كما أنه لا يمكن تشكيل أي تحالف من البرلمان الحالي من أجل فرض تجميد له. ثالثاً أن انتزاع تجميدٍ الاستيطان من نتانياهو هو عملياً أمر غير ضروري؛ ذلك أنه إذا كانت ثمة ضرورة إلى وقف عمليات التوسيع الكبيرة للمستوطنات ، فإن كلا من السلطة الفلسطينية والحكومات العربية كان توافق على الاتفاقات الأميركية- الإسرائيلية التي تقضي بالحد من الاستيطان داخل محيط المستوطنات القريبة من إسرائيل – على اعتبار أن تلك المناطق ستضم في نهاية المطاف إلى إسرائيل ضمن تسوية نهائية. ثم إن نتانياهو، الذي ساهم سوء علاقاته بواشنطن في تنحيته من السلطة خلال ولايته الأولى كرئيس للوزراء، لم يتأخر كثيرا في تغيير موقفه؛ حيث ألقى خلال الأسابيع الأخيرة خطابا وافق فيه لأول مرة على قيام دولة فلسطينية. وعلاوة على ذلك، فإن إسرائيل تعمل حاليا على إزالة الحواجز العسكرية على الطرق في الضفة الغربية ، وتُسلم أربع مدن أخرى إلى قوات الأمن الفلسطينية، وتتخذ الخطوات الأولى لتفكيك وإزالة المستوطنات التي تعتبرها غير قانونية. وإضافة إلى ذلك، فإن المبعوثين الحكوميين – يقودهم وزير الدفاع إيهود باراك الذي بدأ زيارة إلى واشنطن يوم الثلاثاء الماضي – يقدمون عددا من الصيغ التوافقية. ومع ذلك، فإن الإدارة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، مستمرة في رفع الرهان؛ ففي السابع عشر من يونيو، بذلت كلينتون ما في وسعها للتنصل من أي اتفاقات بين إدارة بوش الثانية وإسرائيل حول "النمو الطبيعي" في بعض المستوطنات والتشديد على أن الإدارة الحالية في حل منها. وفي مؤتمر صحافي يوم الاثنين الماضي، رد المتحدث باسم وزارة الخارجية "إيان كيلي" على سؤال بالقول إن الإدارة تعارض أنشطة البناء الجديدة في كل المناطق الواقعة "خارج الخط (الأخضر)" في القدس كلام من شأنه أن يحظر أنشطة البناء الإسرائيلية في مناطق مثل "الحي اليهودي" في المدينة القديمة. الإدارة الأميركية الحالية باتت تواجه اليوم اختياراً بين مواجهة طويلة مع إسرائيل – وهي مغامرة غريبة بالنظر إلى التحديات الملحة من إيران وفي العراق، ناهيك عن حالة التفكك التي تعتري الصف الفلسطيني – أو حل توافقي قد يجعل أوباما يبدو ضعيفاً ويمنح الدول العربية مزيداً من الأسباب لرفض التعاون. وحالياً يقال إن البيت الأبيض مازال يأمل أن يوافق نتانياهو على تعليق لأنشطة البناء، مع سقف زمني واستثناء ربما يشمل بعض المباني التي توجد قيد البناء؛ غير أن حدوث بعض الضرر، في هذه المرحلة، أمر لا مناص منه ربما؛ ذلك أنه إذا اتفق إيهود باراك والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل على أي صيغة دون تلك التي دعت إليها هيلاري والمتحدث باسمها، فإن وسائل الإعلام العربية ستقدمه على أنه استسلام من قبل أوباما. بيد أن المسار الأفضل، في اعتقادي، يكمن في عقد اتفاق سريع مع إيهود باراك - السياسي الذي يميل إلى اليسار - هذا الأسبوع تحت غطاء الاضطرابات في طهران، على أن الإدارة تستطيع بعد ذلك العودة إلى القيام بما كانت تنوي القيام به دائما: الضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين، إضافة إلى الحكومات العربية الصديقة، ووكلاء إيران غير الودودين جدا مثل سوريا، من أجل اتخاذ خطوات ملموسة في اتجاه تسوية إقليمية. ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"