عزيزي أبو خيّام:
أنباء ترشيحك لمنصب رئيس وزراء العراق تبعث على التفاؤل، ليس فقط بنهاية احتلال جورج بوش لبغداد، بل نهاية احتلاله لواشنطن أيضاً إن شاء الله. وقبل عرض أسباب التفاؤل وهي كثيرة، أستعيد كلماتك في آخر لقاء لنا في بغداد عام 1978. كان ذلك جواباً على سؤالي عن سبب تهافت بيان الحزب الشيوعي العراقي بصدد إجراءات الحكومة لتبيعث أجهزة الإعلام والتعليم العالي. كنتَ أنت آنذاك عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المشارك في الحكم، وكنتُ واحداً من مسؤولين في صحيفة "الجمهورية" صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بتنحيتهم عن عملهم. مضى على ذلك ربع قرن وكلماتك لا تزال ترن في ذهني "اسمع محمد.. يحدث غالباً عندما تناقش اللجنة المركزية إصدار بيان حول موضوع معين أن يصلنا بيان من وكالة تاس السوفييتية حول الموضوع نفسه فيُعدّل فيه الرفاق قليلاً ثم يذيلونه بتوقيع الحزب الشيوعي العراقي".
أسألك الآن: هل تحوّل الشيوعيون العراقيون من الامتثال لأوامر موسكو إلى الامتثال لأوامر واشنطن؟ إذا صحّ ذلك فهذه دلالة، حسب تعبير الشيوعيين على صواب مقولة كارل ماركس المشهورة "التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة كمأساة وثانية كمأساة هزلية".
كيف حملتك والحزب الشيوعي الدبابات الأميركية إلى سدّة الحكم في بغداد وكنتَ خرجت عنه في الثمانينيات من القرن الماضي أنت وجماعة المثقفين المستنيرين "المنبر" بحثاً عن طريق وطني مستقل لإنقاذ العراق؟ لقد سحقتم بالدبابات الأميركية فرصة ذهبية، ليس على العراقيين فحسب، بل حتى على الأميركيين لتغيير الأوضاع في العراق والمنطقة، دون الإطاحة بهما والمجتمع الدولي في هذه المتاهة الدموية. والحديث هنا ليس عن وهم مسؤولين عرب اقترحوا إنفاق 200 مليون دولار لشراء ضباط الجيش العراقي وإسقاط نظام حكم صدّام حسين. العراق وأنت تعرف أفضل مني ليس الصومال أو هاييتي، وإذا صحّت التقارير، التي تنشرونها الآن فالعراق كان ينفق حتى في أسوأ أوقاته ملايين الدولارات لرشوة الدول والأحزاب السياسية حول العالم. ويتابع العالم منذ الحرب فضائح إنفاق مليارات الدولارات لرشوة الشركات الدولية وتزييت عجلة الحكم في العراق، وستنفق الحكومة، التي سترأسها مليارات أخرى لرشوة كل من هبّ ودبّ في العراق أو عليه.
تؤكد آخر تقارير واشنطن على أنك المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة. ولا غرو في ذلك كما يقال. فأنت حزبي خارج الأحزاب، وشيعي علماني خارج الكتل والجماعات الشيعية الدينية، التي يوالي معظمها إيران، وتكنوقراطي ترعرع داخل أجهزة الأمم المتحدة. ولا شك أنك توافق مواصفات القدرة والنزاهة، التي وضعها الأخضر الإبراهيمي لشاغلي مناصب الحكومة الانتقالية، وهذه هي المصيبة. فكيف قبلت بأن تكون أداة في يد أغبى قوة عظمى في التاريخ، أنت الذي شغلت في العشرينات من العمر منصب السكرتير العام لاتحاد الطلبة العالمي، وتوليت وأنت في المنفى مسؤوليات مختلفة في منظمات الأمم المتحدة، ولم تنضم إلى مهاجري الروح، حسب تعبير الكاتب التشيكي "فرانز كافكا"، بل التصقت بالمجتمع الأهلي العربي، حيث تم اختيارك قبل الحرب مباشرة لعضوية مجلس إدارة مؤسسة الفكر العربي؟
كيف يستنكف مثقف نشأ على تراث يؤمن بأن الإنسان أثمن رأسمال عن اتخاذ خطوة مماثلة في الأقل لاستقالة وزير حقوق الإنسان عبد الباسط تركي احتجاجاً على عمليات اغتصاب وتعذيب وقتل المعتقلات والمعتقلين في سجن أبو غريب وغيره من سجون الاحتلال؟
وأين أضعت حذرك السياسي المعهود وتورطت في هذه المغامرة الدموية، التي أدت، حسب آخر الأرقام الرسمية إلى قتل أكثر من 11 ألف مدني، بينهم زميلك، مبعوث الأمم المتحدة إلى بغداد سيرجيو فييرا دي ميلو، وعضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي، والزعيم الشيعي باقر الحكيم، ونائب رئيس مجلس وزراء منطقة كردستان سامي عبدالرحمن، ورئيس جامعة بغداد محمد الراوي، وعبداللطيف الميّاح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ، ومئات العاملين العراقيين والأجانب في الصناعة والكهرباء والمستشفيات والجامعات والقضاء والمقاولات؟
وكيف ستعوض حكومتك القادمة البلد ومواطنيه عن عمليات النهب والتخريب التي تقدر بمليارات الدولارات؟ وهل تتوقع أن يوافق الأميركيون على استمرار حكومة بوش في إنفاق 150 مليار دولار سنوياً، وهم صوّتوا للحرب تحت إغراء الربحية، التي حققتها لهم حرب عام 1991؟ وهل تستطيع حكومتك السيطرة على قوات مسلحة رفض نصفها إطاعة الأوامر بالقتال في الفلوجة والكوفة والنجف وانضم ربعها إلى صفوف المقاومة؟ وما العمل مع أسر الحكم المتصاهرة، التي تتحكم بالمواقع الرئيسة في الاقتصاد والدولة، بالتنسيق مع أقصى اليمين الصهيوني في تل أبيب وواشنطن؟ وهل ستفلح في تدوير عجلة الاقتصاد وقد هربت من العراق الشركات العاملة في الإنشاءات وصناعات النفط، بل هربت حتى الشركة العملاقة هاليبرتن- كيلوك، التي خططت للحرب ونفذتها؟
وكيف ستتعامل مع المندوب السامي، سفير واشنطن في بغداد جون نيغروبونتي ا