ظهر في نهاية المطاف أن اثنين من عناصر الشرطة العسكرية الأميركية المتورطين في فضيحة سجن أبو غريب- الذي تشرف عليه القوات الأميركية في بغداد- قد عملا كضابطين من ضباط السجون الاصلاحية في الولايات المتحدة قبل مجيئهما إلى العراق. وتحدو المرء آمال في أنه لم يحدث، في أثناء مناوبات هذين الاثنين في سجون الولايات المتحدة، شيء يشبه الفظائع التي حدثت في سجن أبو غريب في العراق. وعلى رغم ذلك، تبقى الحقيقة التي مفادها أن حراس السجن الأميركيين قد تورطوا فعلاً في أعمال بربرية وحشية في خارج الولايات المتحدة، وهي الحقيقة التي تثير سؤالاً ينبغي أن يثير قلقنا جميعاً دون استثناء: فهل ما حدث في العراق يشكل، بأية طريقة كانت، نموذجاً لما يحدث في نظام العقوبات الأميركي المطبق على الأراضي الأميركية؟
ذلك سؤال لا يشاء كثيرون منا نحن الأميركيين أن يواجهوه في هذه اللحظة. ذلك أن إحساسنا بالخزي والفظاعة قد وصل إلى درجة ساحقة عندما ينصب تركيزنا على العراق فقط دون غيره. على أن الحقيقة المحزنة تقول إن لدينا كل الأسباب التي توجب علينا أخذ تلك المسألة على محمل الجد. فعندما يكون الأمر متعلقاً بإهانة الإنسان في سياق تطبيق العقوبات، لا تكون تلك المسألة متعلقة فقط بالعراق وحده. بل إنها مسألة تتعلق بإهانة الإنسان وإذلاله داخل أميركا أيضاً. ولذلك لن نكون قادرين على استيعاب الدروس والعبر من سجن أبو غريب إذا لم نفهم بالضبط هذا الأمر بحد ذاته.
على مدى السنوات القليلة الماضية، دأبتُ على دراسة أشكال العقوبات الجنائية المطبقة في داخل الولايات المتحدة وفي خارجها، ومن ذلك تعلمت أن الموقف الأميركي من إهانة السجين في سياق تطبيق العقوبة عليه قد أصبح مختلفاً على نحو دراماتيكي عن مواقف البلدان الأخرى من الأمر نفسه. فالأميركيون، ببساطة، لا يدركون مقدار الصدمة التي يبدو أن أشكال عقوباتنا تقوم بتوليدها في نفوس المراقبين الأجانب.
ولنأخذ هنا على سبيل المثال فرنسا وألمانيا. فإهانة السجين وإذلاله بهذا الشكل أمر مرفوض غير مقبول في هذين البلدين إلى درجة أنهما، بوجه عام، فرضا حظراً وتحريماً على استخدام الملابس الخاصة المميزة للسجين- وهو أمر أبعد ما يكون تجريد السجناء من ثيابهم وتعريتهم بهدف إذلالهم. وليست تلك إلاّ البداية. فمن المفترض أن يُعامَلُ السجناء في البلدان الأوروبية كبشر عاديين، وأن يكونوا مخولين بحق الحصول على الاحترام العادي. ولذلك يتمتع نزلاء السجون في أوروبا بحق الخصوصية- وهو الأمر الذي يعني على سبيل المثال أن السجناء هناك لا يكونون محتجزين في زنزانات ذات أبواب من القضبان. ومن المؤكد أن السجناء (الذكور والإناث) في الدول الأوروبية ليسوا ملزمين باستخدام المراحيض لقضاء حاجاتهم أمام أعين حراس وحارسات السجن، وهو ما يكون السجناء (من الجنسين) مرغمين على فعله في الولايات المتحدة الأميركية. وفي بلد كألمانيا على سبيل المثال، يجري
تطبيق قوانين العمل العادية على نزلاء السجون أيضاً، وهو الأمر الذي يعطيهم نفس أنواع الحماية التي يتمتع بها العمال خارج السجون. لا بل فوق ذلك هناك قوانين وقواعد تقتضي مخاطبة السجين باحترام وتقدير، وتوجب استخدام مخاطبيه لألقاب وكلمات من قبيل السيد فلان.
فتخيلوا معي الآن كيف تنظر أميركا إلى محترفي تطبيق العقوبات من بلدان كتلك. فالأمر لا يتعلق فقط بصور فوتوغرافية يبدو فيها عناصر الشرطة العسكرية وهم يبتسمون ابتسامات عريضة وينخرطون بارتياح خبيث وشامت في ممارسة أشكال الإهانة والإذلال في العراق. والأمر أيضاً لا يتعلق فقط بفضيحتنا السابقة المماثلة التي لحقت بنا وتردد صداها على نطاق دولي، وهي الفضيحة التي تتعلق بالصور الفوتوغرافية التي تم التقاطها في أفغانستان وفيها يظهر السجناء الأفغان مكبلين بالسلاسل ومعصوبي الأعين مرميين على أرضية طائرة أثناء شحنهم إلى المعتقل الشهير في خليج غوانتانامو الذي تشرف عليه القوات الأميركية. وليس الأمر أيضاً متعلقاً فقط بالممارسات المهينة التي تجري على نحو استعراضي سوقي بقصد إثارة الإعجاب، ومنها إجبار مجموعات السجناء على العمل وهم مقيدون بسلاسل حديدية تربط أرجلهم معاً. بل إن الأمر يتعلق بالعقوبات الجنائية الأميركية التي يجري تطبيقها في الولايات المتحدة كل يوم وفي السجون الأميركية العادية.
فما هذا الذي حدث في بلدنا؟ لقد أتى علينا زمان كانت فيه أميركا تُعتبر في نظر غيرها بلداً يقدم نموذجاً للعقوبات المتحضرة. فمنذ قرن ونصف القرن، كان أليكس دو توكفاي الكاتب والسياسي الفرنسي البارز (1805-1859) مقتنعاً بأن أميركا ستكون دوماً نموذجاً للطف والاعتدال. وفي عام 1945، كان في وسع الأميركيين أن ينظروا إلى الألمان بتشامخ وأن يشعروا بالفخر والكبرياء لأنهم-أي الأميركيون- لم يستسلموا لنوع البربرية الوحشية التي مارسها الألمان. لكن الأمور باتت اليوم مختلفة جداً. فنحن الأميركيين لدينا نسبة مذهلة من السجناء تفوق نسبة السجناء في البلدان الغربية