سيكتشف أوباما، أو لعله اكتشف، أنه رئيس يعتبر نفسه جدياً، لكن اللعبة في الشرق الأوسط ليست جدية على الاطلاق. يعود "الفضل" في ذلك إلى مجموعة رؤساء سبقوه إلى البيت الأبيض ووجدوا أن كل شيء مصمم ومرتب وجاهز شرق أوسطياً. فلا داعي للعناء، ولا حتى للتفكير، المهم أن تكون إسرائيل راضية، وأن يكون "اللوبي" إياه راضياً، وأن يكون ضخ النفط منتظماً، وما عدا ذلك فكل شيء على ما يرام. من شأن نتانياهو أن يفتح عينيه تساؤلاً وأن يفغر فاه عجباً: ما الذي يدعو هذا الرئيس إلى مثل هذا الشطط؟ ألم يخبره أحد أن إسرائيل هي التي تضع قواعد اللعب في الشرق الأوسط؟ ولماذا هذا الحراك المكثف، وهذا الاقبال على العرب والمسلمين من أجل سراب المسالمة معهم؟ ألا يعلم أن خصام أميركا معهم هو بسبب إسرائيل، وأن مصلحة إسرائيل كما مصلحة أميركا في استمرار هذا الخصام؟... مشكلة نتانياهو أن أوباما هضم جيداً تجارب من سبقه، فهؤلاء راهنوا على إسرائيل نفسها لتقيم سلاماً وتتصالح مع العرب لتتصالح أميركا معهم على أساس ذلك السلام، وتضمن إدامة ذاك العداء فترمي أميركا فكرة أي تصالح. اللعبة لم تكن جدية. رمى العرب خيار الحرب امتثالاً لواقعهم وتلبية لرغبة أميركية. صدقوا وعود واشنطن، بل أيقنوا بما ظنوه دائماً بأن أميركا تملك القرار الإسرائيلي، ثم اكتشفوا أن إسرائيل تملك القرار الأميركي. لم يحلم شارون بشيء لم يحققه له بوش الابن، حتى أنه رتب تقسيماً جغرافياً لـ"الدولة الفلسطينية" ولم يجد عند بوش الابن سوى المديح والتصفيق. وقع أيهود باراك في مأزق سياسي داخلي، فلجأ إلى كلينتون ليدعوه إلى "كامب ديفيد" كي يصطادا سوياً تنازلاً فلسطينياً بالضغط والابتزاز ، ولما أخفقا نزل الغضب واللوم على ذاك الذي لم يحسن التنازل. بذل الإسرائيليون كل تفنن في تدمير السلطة الفلسطينية وقواها الأمنية ومؤسساتها، ثم عطلوا "خريطة الطريق" بحجة أن السلطة ضعيفة ومشلولة وغير قادرة، وعندما أشار "جيمس جونز" إلى الإضعاف الإسرائيلي المنهجي للسلطة ثم مطالبتها بانجازات، لقي كل نقد وامتعاض لأنه تجرأ على وصف واقع غير مقبول. اللعبة لم تكن جدية، وكل رئيس أو وزير أو مسؤول أميركي حاول استخدام عقله في النظر إليها كان موضع تنديد، أولاً داخل أروقة البيت الأبيض ثم في الإعلام. كان ولا يزال هناك تحكم إسرائيلي بالمصطلحات تجنباً لأي إشارة إلى أي حقيقة. فالشرق الأوسط لا يعامل بالعلم ولا بالقانون ولا بالأخلاق ولا بالحكمة ولا حتى بالإنسانية، الإسرائيليون ينصحون بأنه لا ينفع فيه سوى العصا والاحتقار والإرهاب. العرب ليسوا عدواً صعباً ولا مفاوضاً صلباً. خسروا الحرب وخسروا السلام المشرف والآن يتوقعون سلاماً عادلاً. وقف الاستيطان يلزمه نبي جديد وليس زعيم "ليكود"، ثم أن أميركا وإسرائيل فعلتا معاً كل ما يلزم لجعل أصحاب الأرض عاجزين تماماً عن الحفاظ عليها، فالأرض تُسرق أو تحرق أو يبتلعها الجدار، ولن يلبثوا أن ينسوا ما يخسرونه. عقود طويلة مرت وليس في المواقف الأميركية اعتراف بأن هناك "احتلالاً" ولا ممارسات احتلال ولا جرائم احتلال ولا بشاعة احتلال، وليس فيها موقف واحد يتحدث عن الاستيطان كانتهاك للقوانين الدولية، وليست فيها إشارة واحدة إلي أن ثمة حقوق إنسان فلسطيني هنا بل كان "الفيتو" جاهزاً أبداً كامتداد طبيعي للقهر الذي يمارسه الاحتلال. في الغد القريب، في القاهرة، سينصت العرب والمسلمون إلى ما يفترض أن يكون "رؤية أوباما" كرئيس يريد أن يحترم التزاماته مستنداً إلى إرث طويل من عدم الاكتراث الأميركي. لعله في الأيام الأخيرة، خصوصاً بعد لقائه مع نتانياهو، خفّض سقف توقعاته من نفسه، أقلّه في الوقت الراهن. هل يجرؤ على القول إن اللعبة الآن أصبحت جدية. الأرجح أنه يعتقد أن خيبات الأمل التي تعرض لها السلام كانت أكثر من كافية. والأفضل أن لا يتشدد على مسألة التطبيع حتى لو كان يعلم أن العرب مستعدين لتقديمها إليه تشجيعاً لإنصافه وواقعيته، لكنه سيبدو مستهجناً إذا دعا -كما قيل- للترحيب بـ"السياح الإسرائيليين- فيما يبدو أنه يريد من العرب طي "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين.