قبل أيام من وصول أوباما إلى المنطقة لتوجيه خطاب إلى العالم الإسلامي، طرأت عدة تحركات إسرائيلية يُـمكن وصفها بالجديدة من حيث الشكل. غير أن فحص هذه التحركات يجب أن يتم بعناية، لنكتشف ما إذا كانت تندرج في إطار المناورات والمراوغات التي اعتدناها من حكومتي نتانياهو "اليميني" الحالية والسابقة، أم أنها تعبر عن رضوخ للضغوط الأميركية التي تمارسها الإدارة الأميركية لدفع "حل الدولتين". أهم هذه التحركات يتمثل في إعلان نتانياهو استعداده لاخلاء البؤر الاستيطانية العشوائية لتمكين الولايات المتحدة من معالجة الملف النووي الإيراني بشكل جدي. في هذا التحرك، فوجئ وزراء "الليكود" ونوابه في البرلمان بالدعم المفاجئ الذي قدمه نتانياهو لزعيم حزب "العمل" ووزير الدفاع إيهود باراك، الذي يدعو إلى إخلاء 22 بؤرة استيطانية غير قانونية خلال أسابيع قليلة. لقد قدم نتانياهو تفسيراً لموقفه الجديد عندما أكد لزملائه أن الملف النووي الإيراني هو التهديد الأكبر بالنسبة لإسرائيل، وأنه يجب اتخاذ خطوات غير شعبية من واقع المسؤولية عن أمن الدولة الإسرائيلية، وهو ما يعني التجاوب مع المطلب الأميركي في شأن الاستيطان. هذا الموقف الذي يبدو صغيراً في سلسلة المطالب العربية والأميركية بشأن تجميد الاستيطان بجميع أشكاله وليس فقط ما يطلق عليه البؤر غير القانونية، أي التي لم تحصل على مصادقة الحكومة، قد أثار ضد نتانياهو معارضة داخل حزبه. لقد لوح له بعض الوزراء بالمعارضة العنيفة، التي سبق وأن تعرض لها شارون عندما خرج على خط الحزب، مما اضطره في النهاية إلى الانشقاق وتكوين حزب "كاديما". هذا التحرك من جانب نتانياهو، يبدو مجرد مناورة صغيرة لإلهاء الأميركيين إذا لاحظنا أنه أعلن منذ أسبوع أن القدس الموحدة، هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأنه لا يمكن تقسيمها معترضاً بذلك على قضية كبرى من قضايا الحل النهائي، وإذا لاحظنا أيضاً أنه أبلغ وفداً من الكونجرس أنه لا يستطيع قبول المطلب الأميركي، الذي تعبر عنه هيلاري كلينتون بانتظام حول التجميد التام للبناء في المستوطنات، بما في ذلك البناء في إطار ما يسمى التكاثر الطبيعي. إذن علينا أن نضع هذا التحرك في حجمه الضئيل أمام أوباما بكل القنوات، فليس هذا هو التحرك المطلوب لوقف الاستيطان والمنصوص عليه في "خريطة الطريق". أما التحرك الإسرائيلي الثاني حسب الترتيب الزمني، فقد تمثل في المفاجأة التي خرج بها زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الخارجية من خلال تصريحات للإذاعة العبرية. ذلك أن الرجل الذي ظل يعلن منذ توليه المنصب أنه يرفض خطة "خريطة الطريق"، والذي عقب على مطالبه الرئيس أوباما بضرورة تطبيق التزامات الخطة بالرفض الصريح قائلا إنه اقترح على رئيس الوزراء أن تقوم الحكومة بالإعلان عن قبول الخطة والتصديق عليها من جديد. هذا التحرك لا يمكن قبوله ببساطة على أنه تراجع عن التصلب، أو على أنه تجاوب مخلص مع رؤية إدارة أوباما، ذلك أن ليبرمان قال صراحة للمذيع، الذي يحاوره ما يعني أنه يستخدم "خريطة الطريق" كوسيلة آمنة لتفريغ قوة اندفاع الإدارة الأميركية. لقد سأله المذيع بقوله كيف تقبل الخريطة وأنت تعلم أنها تتحدث عن "حل الدولتين" الذي ترفضه؟ وأجاب "ليبرمان" بوضوح أن الخريطة مكونة من ثلاث مراحل، وأن الحل النهائي يرد في المرحلة الثالثة في حين تنشغل المرحلتان الأولى والثانية بإصلاح هياكل السلطة الفلسطينية، وهو أمر لن ينجح فيه الفلسطينيون، وبالتالي فإننا لن نتقدم إلى المرحلة الثالثة. هكذا يتحلى الوزير ليبرمان بمجاهرة وقحة تعني أنه قادر على إسكات مطالب أوباما بالتجاوب معها شكلا مع إفراغها موضوعياً من هدفها. إذن نحن أمام عملية مناورة سياسية مكشوفة تقتضي مداخل عربية جديدة لتطويق هذا العزم الإسرائيلي على إضاعة الوقت بالموافقات الشكلية. أما التحرك الثالث، فيمثله خطاب نتانياهو يوم الأربعاء الماضي في الكنيست، والذي بلور فيه إشاراته السابقة إلى ما يطلق عليه مصطلح "مدخل التسوية الإقليمي"، إنه يدعو في إطار هذا المدخل إلى إشراك دول عربية في عملية السلام لتعزيزها على أساس ما يُسميه مبدأ التبادلية. عندما ندقق النظر فيما يعنيه، نكتشف أنه يعد على الجانب الإسرائيلي بخطوات جزئية، على غرار تحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية والمعيشية، وإزالة البؤر الاستيطانية غير الحكومية، مقابل خطوات تنتمي في نص مبادرة السلام العربية إلى الحل النهائي، حيث يتم إقامة علاقات سلام طبيعية بين إسرائيل والدول القابلة بالمبادرة مقابل انسحاب إسرائيل انسحاباً شاملا من الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين. إذن المدخل الاقليمي للتسوية، يعني عند نتانياهو قيام الدول العربية بخطوات رمزية ومتعينة للتطبيع مقابل خطواته الجزئية. هنا يتضح أن التحرك يستهدف الحصول على الجائزة النهائية من العرب دون المقابل المحدد في المبادرة، فلنحذر ألاعيب نتانياهو إذن.