في نهاية ديسمبر 2002، كان رئيس كوريا الجنوبية المنعوت بأكثر زعماء آسيا ثقافة واطلاعا "كيم داي جونج"، يحزم أمتعته تاركا بيت الرئاسة الأزرق في سيول لخلفه في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 ، "روه مو هيون". كان الأخير قد فاز بحوالي 49 بالمئة من أصوات المقترعين، وتقدم بحوالي 2.3 نقطة عن أقرب منافسيه، وهو "لي هو تشانج"، زعيم أكبر أحزاب المعارضة (الحزب الوطني الكبير). والحقيقة أن "روه" أثناء حملة الانتخابات الرئاسية، استخدم الأزمة القائمة ما بين بيونج يانج وواشنطن واحتمالات أن تتحول إلى مواجهة عسكرية، يستخدم فيها الكوريون الشماليون أسلحتهم النووية ضد سيول الحاضنة لنصف سكان كوريا الجنوبية والواقعة على بعد 35 ميلا فقط من جارتها الشمالية، للترويج لنفسه باعتباره الوحيد القادر على حل المشكلة بالحوار والوسائل السلمية. وكان في هذا يراهن أولا على عدم وجود تحفظات عليه من قبل النظام في الشمال، كونه عرف دائمًا بدفاعه عن مواطنيه المتعاطفين مع الأخير. ويراهن ثانياً على ما تمثله بلاده من أمل وحيد تقريباً أمام الكوريين الشماليين للحصول على مساعدات تخفف من عزلتهم ومشاكلهم الاقتصادية. ويراهن ثالثاً على عدم وجود خيارات أخرى أمام واشنطن المشغولة على أكثر من جبهة سوى القبول بالتفاوض عبره مع الشماليين. ولا شك أن مثل هذه الشعارات، جذبت الكثيرين نحو "روه"، ولا سيما من فئة الشباب ممن آلمهم تراجع زخم المد القومي والسلام في شبه القارة الكورية بعد إدراج إدارة الرئيس بوش الابن لكوريا الشمالية في "محور الشر"، لكنها لم تقابل بالترحيب المطلوب، لا من نظام "كيم جونج إيل"، ولا من قبل إدارة بوش. فبدلا من أن تشجع بيونج يانج هذا المنحى لدى الرئيس الجنوبي المنتخب، وتقابل عزمه على مواصلة ضخ المساعدات من الجنوب إلى الشمال بتحديد موعد لزيارة "كيم جونج إيل" المؤجلة إلى سيول كنوع من التقدير، واصلت خطابها المبني على اعتبار ملف الاستراتيجيات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية ملفاً لا يجدي التفاهم حوله، إلا ما بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة المهيمنة على صنع القرار في الجنوب. أما بالنسبة لرد واشنطن البارد، فلم يكن منطلقاً فقط من سياستها القائمة على حرية الدفاع عن مصالحها في شبه القارة الكورية بالطريقة التي تراها وحدها مناسبة، وإنما أيضاً من شكها في توجهات الرئيس المنتخب. فالأخير فضلا عن لهجته الناعمة تجاه الشمال وعدم اتفاقه مع واشنطن على ضرورات عزل النظام الكوري الشمالي وقطع الدعم عنه حتى يرضخ ويلغي برامجه النووية، عرف عنه في التسعينيات دعوته الصريحة إلى رحيل 37 ألف جندي أميركي عن بلاده وتصفية قواعدهم، وإن طالب فقط بعد فوزه بالرئاسة بسن تشريعات جديدة تحكم التواجد الأميركي فوق الأرض الكورية، وتمنح الدولة المضيفة سلطة أكبر عليهم. كما عرف عنه لاحقاً معارضته الشديدة لسياسات واشنطن في العراق وأفغانستان، رغم إبداء إعجابه في أكثر من مناسبة بالولايات المتحدة ومؤسساتها وديمقراطيتها. والحال أن الشرق الآسيوي، بانتخاب "روه مو هيون" رئيساً لكوريا الجنوبية، أعطى مرة أخرى المثل في قدرة البسطاء والمقهورين على بلوغ قمة السلطة عبر أدواتهم وجهودهم الذاتية، ودونما حاجة إلى نسب رفيع أو سند قبلي أو ميزة طبقية أو خزائن من المال. فالرئيس الكوري الجنوبي لم يكن سوى ابن فلاح فقير تعلم كيف يصعد سلالم المجد، وأين يضع قدمه في كل خطوة، وكيف يصبر على أهوال الطريق في رحلة الصعود، وكيف يطرد اليأس والإحباط إنْ فشل في إصابة الهدف مرة أو مرات، تماماً كما يفعل هواة تسلق الجبال والبولينج، وهما مجالان لا ثالث لهما في قائمة هواياته المحببة. لقد كان من الممكن أن يغادر الرئيس "كيم داي جونج"، الذي لم يستطع بحكم مواد الدستور الترشح لفترة رئاسية ثانية، مقره مرفوع الرأس يسنده تاريخ سياسي ونضالي ناصع وموهبة قيادية فذة (الأمر الذي تجسد في نجاحه في إعادة العافية سريعاً إلى الاقتصاد الكوري الجنوبي بعد الهزة النقدية الآسيوية في عام 1997)، وجرأة غير مسبوقة في طرح المبادرات (مثل مبادرة ذهابه إلى عاصمة الشطر الشمالي في عام 2000 لعقد أول قمة بين الكوريتين منذ تقسيمهما)، لولا تورط نجليه في فضائح مالية وأعمال عدت من قبيل استغلال النفوذ. لكن عزاء الرئيس "داي جونج"، وهو يغادر منصبه، تمثل في انتقال السلطة منه إلى رئيس جديد، ينتمي إلى حزب هو مؤسسه ورئيسه (حزب الألفية الديمقراطي)، مما كان يعني ضمنيا فشل المعارضة في النيل منه على خلفية قضية الفساد المثارة ضد نجليه. والمفارقة هي أن الرئيس "روه مو هيون"، لئن كان مثل سلفه لجهة النضال الطويل من أجل الديمقراطية ودفاعه المحموم عن حقوق الإنسان في كوريا الجنوبية، ولجهة تعرضه للمطاردة والاعتقال والدسائس على يد الديكتاتورية العسكرية، فإنه من زوايا أخرى بدا كما لو كان نقيضاً له قبل أن نصل إلى مرحلة ما بعد خروجه من القصر الرئاسي، والتي تشابهت مع ملامح مرحلة خروج "روه مو هيون" بسبب اتهامه بالتورط مع زوجته في فضيحة رشاوى بمبلغ ستة ملايين دولار أميركي، تلقتها الأخيرة من مؤسسة كورية عاملة في انتاج وتصدير الأحذية. وأول ما يمكن الإشارة إليه في سياق الاختلاف ما بين "روه مو هيون" المولود في قرية كيمهاي بالقرب من بوسان (ثانية كبرى مدن كوريا الجنوبية) في عام 1946 وسلفه الليبرالي الحائز على جائزة نوبل للسلام، هو أنه لم تتح للأول، ما أتيح للثاني من ثقافة واسعة وشهادات أكاديمية عالية، وإطلاع ميداني على العالم الخارجي. فبسبب انتماء "هيون" إلى عائلة فقيرة تعمل في زراعة الخوخ وتربية الدجاج، لم يجد الرجل من يساعده على إكمال دراسته العالية في أعقاب تخرجه من مدرسة "بوسان" التجارية الثانوية في عام 1966. وهكذا اضطر الى مزاولة أعمال مختلفة بأجور زهيدة في النهار والانكباب على تعليم نفسه بنفسه أثناء الليل. وبعد رحلة معاناة وشقاء، تمكن في عام 1975 فقط من اجتياز امتحانات رسمية صارمة. منح بعدها شهادة في القانون خولته للعمل كمحام. وعلى الفور ارتبط من خلال مكتب المحاماة الذي أسسه في بوسان بقضايا التعذيب والفصل التعسفي والمطاردة والاعتقال، التي كان أبطالها عمال وطلبة راديكاليون متهمون من قبل السلطة الديكتاتورية العسكرية بتقويض الأمن القومي، أو التعاطف مع نظام كوريا الشمالية. وسرعان ما ذاع صيته في أصقاع كوريا الجنوبية، لا سيما بعد دفاعه عن المتظاهرين في "بوسان" في عام 1982. إلا أن هذه الشهرة كانت وراء اعتقاله في عام 1987 بتهمة تحدي نظام الرئيس "تشون دو هوان" والتحريض ضده، وكانت أيضاً وراء إلغاء الترخيص الممنوح له للعمل في سلك المحاماة، بحجة تأييد العمال المضربين في أحواض بناء السفن الكورية.