ثلاثة كتبٍ أصدرها باحثون أجانب عن ديار العرب والمسلمين، منذ خمسة عقودٍ وأكثر، دأبتُ على إعادة قراءتها خلال العقود الثلاثة الماضية؛ وأقدَمُها: "وجهةُ الإسلام" لهاملتون غب H.Gibb وآخرين، وهو مؤلَّف في ثلاثينيات القرن الماضي، و"الإسلام والاندماج الاجتماعي" لمونتغومري وات Watt، و"الأُسُس الجغرافية للعالَم الإسلامي" لكزافييه دي بلانول Planhol. والطريف واللافت أنّ هذه الكتب القديمة -الجديدة، والتي ظلّت خارج نطاق الاهتمام العامّ للدارسين العرب والمسلمين، جرت ترجمتُها أو إعادةُ ترجمتها جميعاً في عام 2008، ودونما سببٍ ظاهر غير النهوض المستجدّ في حركة الترجمة في الوطن العربي. وتكمن أهميةُ هذه المؤلَّفات -وليست متوحِّدةً في ذلك طبعاً- في أنها تتناول قضايا ومشكلات أساسية تتعلق بتكون الإسلام وامتداده أو انتشاره، وما ترتّب على ذلك من مشكلاتٍ وتداعياتٍ خلال تجارب التطور الطويلة والبعيدة المدى. ويأتي المؤلَّف الجماعي الذي حرَّره المستشرق البريطاني الكبير (المتوفَّى عام 1973) هاملتون غب، في طليعة البحوث التي اهتمّت بتطورات الإسلام الحديث. وهو يُعنى ومن جانب متخصصين كبار هم إلى جانب غب، ماسينيون الفرنسي، وكامبفماير الألماني، وفرّار البريطاني، وبرغ الهولندي، بتلك المستجدات بالذات. وموضوع الكتاب المجموع (جمع مقالاته وحررها كما سبق القول هاملتون غب وكان ما يزالُ شاباً!) هو استعراض التطورات المستجدة في أنحاء العالَم الإسلامي الرئيسة: أفريقيا (باستثناء مصر) لماسينيون، ومصر وآسيا الغربية لكامبفماير، والهند للكولونيل فرّار، وإندونيسيا لبرغ الهولندي. وهناك الرؤية العامة في المقدمة والتمهيد، والاستخلاصات للأستاذ غب. والبحوث كلها مؤلَّفة أو مكتوبة بين عامي 1928 و1932. وقام بترجمتها الأستاذ المعروف محمد عبد الهادي أبو ريدة عام 1934، وكان ما يزال طالباً بالسنة الثالثة في كلية الآداب بالجامعة المصرية. وقد أُعيد نشر الكتاب بالإنجليزية 4 مرات خلال القرن العشرين، كما تُرجم مرتين في سوريا والعراق، دون أن يتنبَّهْ أحدٌ إلى الترجمة الأولى المنشورة للكتاب بمصر عام 1934! ولستُ أعرف للأستاذ ماسينيون دراسةً عن المستجدات الإسلامية -الأفريقية غير هذا المقال طوال حياته العلمية المديدة. وهو عندما كتب بحثَه هذا لفتت انتباهَهُ كالعادة الإحيائياتُ الصوفيةُ في القارة السوداء. وتنبأ للإسلام بمزيد من الامتداد والسواد في مناطق أفريقيا الشرقية والغربية. ولاحظ أنّ المسيحية بشقّيها البروتستانتي والكاثوليكي، ستظل تُنافسُ الإسلام في قلب القارة السوداء وعلى أطرافها. وتوقع الرجل أن تزداد المقاومة والممانعة الإسلامية بأفريقيا مع اشتداد قبضة الاستعمار على سائر أجزاء القارة. ولاحظ أخيراً أنّ البريطانيين أكثر توفيقاً من الفرنسيين في الإدارة الاستعمارية هناك. وبمنظار اليوم؛ فإنّ توقُّعات ماسينيون كانت صحيحةً في معظمها، مع بعض الرتوش والخدوش غير المؤثّرة، ومنها أنّ المسيحية الكاثوليكية ما كانت أقلّ تأثيراً من البروتستانتية، وأنه ما توقّع صعوداً للإسلام السياسي وعلى حساب الحركات الصوفية أحياناً. ولاحظ الكولونيل فرّار يقظةً إسلاميةً مشهودةً بالهند بعد انتكاسة عام 1857، والتي استمرت لعدة عقودٍ رغم جهود السيد أحمد خان. واليقظةُ لديه مظهراها الرئيسيان حركة إحياء الخلافة، والرابطة الإسلامية (التي انتجت باكستان فيما بعد). لكنه ما توقّع شيئاً من التطورات اللاحقة على حقبة الثلاثينيات. في حين كان "غب" قد توقع في المقدمة والخاتمة أن يتبلور شكلٌ من أشكال الخصوصية الإسلامية الانفصالية بالهند مع تصاعُد الشعور القومي لدى القومية الرئيسية بالبلاد الشاسعة. وحمل "برغ" على الاستعمار الهولندي بإندونيسيا، خلافاً لأُستاذه هورغرونيه، لكنه اعترف لذاك الاستعمار بفضيلة بلْورة الهوية العامة (من خلال الكيان الفيدرالي الواحد) لآلاف الجزر المنتشرة على مساحةٍ واسعة. وأراد كاميفماير من وراء جمع مصر مع آسيا الغربية، أن يُظهر التأثيرات العميقة لمصر وإسلامها وحركتها في ذلك الجزء من القارة العظيمة. وهكذا فباستثناء كتاب "لوثروب ستودارد" الأميركي، الصادر عام 1910 بعنوان: "حاضر العالم الإسلامي"؛ فإنّ هذه المقالات المجموعة ظلّت أهمَّ ما كتبه المستشرقون عن العالم الإسلامي الجديد حتى خمسينيات القرن الماضي. وكان عجاج نويهض قد نشر كتاب ستودارد عام 1927 مترجماً مع تعليقاتٍ إضافية للأمير شكيب أرسلان. أما كتاب مونتغومري وات M. Watt "الإسلام والاندماج الاجتماعي"، فهو تأسيسيٌّ في فهم تكوينات الإسلام الأولى التي أسست لتجربته التاريخية الكبرى. وقد أتى بعد كتابه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وبالمدينة، وكتابه الآخر: "محمد نبياً وقائداً". وفي كتاب الاندماج فصولٌ شديدة الدقة عن التوازن الذي حاول الوعي الإسلامي إقامته أو استحداثه بين التكوينات البنيوية للمجتمع العربي (= القبائل)، والآفاق الرحبة للأمة (= الشعوب). وهو متشكّكٌ في أطروحة العصبية الخلدونية، لكنه لا ينفيها في الأُصول. لكنه يلاحظ أنّ مسألة "الأمة"، وهي الجذر الأيديولوجي والجغراسي لانتشار الإسلام وسواسيته، تملك إمكانياتٍ هائلة لإبقاء الإسلام موحَّداً رغم زوال الرابط السياسي الواحد منذ زمنٍ طويل. ورغم تعرض "وات" لمسألة القبيلة والإثنية في علاقتها بالأمة؛ فإنّ كتاب بلانول عن الأسس الجغرافية لدار الإسلام أو للعالم الإسلامي (وهو صادرٌ في ستينيات القرن العشرين) يظلُّ الأكثر إشكالا. إذ استناداً إلى الأصول القبلية -الصحراوية للإسلام، يفسّر بلانول خريطة العالم الإسلامي وأمة الإسلام كما استقر عليه الأمر في القرن الخامس عشر الميلادي. فقد انتشر الإسلام في الصحارى والسهوب شبه الصحراوية، وظلَّ متقلقلا في السواحل، وفي المناطق الزراعية والحضرية التاريخية الكبرى. لكنه يعود فيلاحظ أنّ شبه القارة الهندية وعوالم المحيط الهندي، هي عوالم إسلامية، رغم عدم صحراويتها بأي شكل. وبسبب استيلاء فكرة السهوبية عليه، ما توقّع مستقبلا للهجرة الإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة، ولا توقَّع مستقبلا فكرة الأُمة وامتداداتها في العالم المعاصر. لكنْ يُحسْبُ له ولوات، أنهما التفتا إلى جذر التشدُّد أو السلفية في عروق الإسلام الرئيسية، وما قد يكون لذلك من تأثيراتٍ في ظروف الأزمات. وهذا الأمر نفسُه لاحظه الأنثروبولوجي الكبير أرنسْت غلنر في كتابه: "المجتمع الإسلامي"(1972). إنّ لدينا إذن ثلاثة كتب من القرن المنقضي -دون أن تنقضي آثاره وتداعياته- تتناول ثلاث مُشكلاتٍ كبرى في الإسلام المعاصر: طبيعة الإسلام (إذا صحَّ التعبير) وتأثيراتها في تكوينه وامتداده أو انتشاره، وأهمية فكرة الأمة في الاستمرار والتجدد، وقدرات المسلمين المجدّدين على مُواجهة المشكلات الذاتية، والأُخرى الناجمة عن متغيرات الأزمنة المُعاصرة. إن هؤلاء الباحثين جميعاً هم من الأوروبيين، ومن أهل ثقافة النصف الأول من القرن العشرين. والمشكلات التي التفتوا إليها ما كانت تُهمُّ المسلمين وحسْب؛ بل وتُهمُّ الأوروبيين أيضاً. وهذا الهمّ لا يرجع إلى استعمار أوروبا للعالم الإسلامي وقتَها وحسْب؛ بل وإلى مشكلات الاندماج والامتداد والتجدد في أوروبا في حقبة ما بين الحربين وبعدهما. ويلفت الانتباه اهتمام هؤلاء بالمسائل الأيديولوجية والتاريخية والجيوسياسية، وعدم اهتمامهم بمسألة الدولة، التي كانت تتعرض لرياحٍ عاتيةٍ في أوروبا للجهتين: جهة ظهور أنظمة شمولية قوية، وجهة تعرُّض فكرة الدولة الديمقراطية ذاتها للاهتزاز، مع ظهور نوع من التناقض بين القومية والليبرالية. ويشكّل هذا "الوعي الثقافوي" نوعاً من السكونية التي لا تُتيحُ المجال للتأمُّل في إمكانيات التجدد من أجل التلاؤم والاستمرار بالحدود الضرورية أو ما يتجاوزُها. على أنّ هذا كلَّه لا ينفي أنها بمنظور اليوم، كانت وما تزال محاولات جادّة للانفتاح على تطورات التجربة الإسلامية مع الذات والعالم في الأزمنة الحديثة.