كنتُ في نهايات إبريل 2002 في مدينة أوروبية، حيث وجدت في شوارعها ملصقات تدعو لتظاهرة تضامناً مع الفلسطينيين، فقررت المشاركة فيها. ولاحظت لدى وصولي مكانها أنّ المنظمين هم من الاشتراكيين اليساريين الأوروبيين، وأنّ هؤلاء على رغم جهودهم الهائلة في دعم الفلسطينيين في السنوات الأخيرة، إلا أنّهم في ذلك اليوم كانوا "يخطفون" القضية الفلسطينية، كما فعل ويفعل كثير من الحكومات والأحزاب القومية والإسلامية واليسارية. فقد كان ذلك اليوم هو أول مايو، "يوم العمّال"، الذي اعتادوا التظاهر فيه. ولكن بما أنّ الإقبال على مظاهراتهم العمّالية تراجع فقد تم جمع الناس باسم فلسطين، بينما كانت الشعارات المرفوعة عُمّاليّة. وبعد قليل بدت الأمور أكثر اختلاطًا، فالمسيرة أتاها "إسلامويّون" آسيويون وعرب يرفعون شعارات مختلفة عمّا أراده منظموها. وبقيت في المظاهرة من باب الفضول، ولفت انتباهي شاب أوروبي يرتدي غطاء الرأس على نحو يشابه باقي الإسلاميين ويصرخ بصخب: "جهاد... جهاد" مع ظهور وشم قديم على يده وآثار جرح في رأسه. وفترت المظاهرة لاحقاً، ويبدو أنّ ذلك الشاب لفت أنظار غيري، فبادره شخص بجانبي بالحديث، ليتضح أنّه كان في السجن وفي مَصح للأعصاب، و"دخل" الإسلام حديثاً على يد شاب عربي، كان يوجهه ويحركه أثناء المظاهرة. في ذات تلك الأيّام وفي ذات المدينة، التقيت أكاديمياً أوروبياً مضى على دخوله الإسلام ربع قرن، ورويت له مشاهداتي، وتبادلنا الخبرات حول بعض الجهات العربية والإسلامية في الغرب التي تقدّم نفسها على أنّها مؤسسات مرموقة لديها مشاريع حضارية كبرى، ثم يتضح أنّها "دكاكين" عائليّة أو مجموعات عدد أعضائها أقل من أصابع اليدين، أو هي مكاتب سكرتاريا تستخدم أسماء قومية طنانّة. ويقدّمون أنفسهم للدول العربية باعتبارهم أصحاب تواجد وفاعلية في الدوائر الأكاديمية والسياسية الغربية، ويقدمون ذاتهم للغرب بأنّهم جسر ومدخل للشرق والأموال والإعلام فيه. وعلّق الباحث الأوروبي المسلم، بأنّه يحمد الله على اهتدائه للإسلام بقراءاته وتأملاته الذاتية قبل أن يتعرف على كثير من مسلمي أوروبا المحيطين به. لقد تذكرت هذه الأحداث قبل أيّام عندما أعلن عن "خلية نيويورك" التي ضمت أربعة أشخاص فكّروا أو خططوا لـ"قتل يهود"، و"تفجير معبد يهودي"، وإسقاط طائرة، فأحد هؤلاء مدمن سابق على الكوكايين، وآخر لا يعرف القراءة والكتابة ويدخن الماريجوانا، وثالث متخصص في خطف الحقائب وحافظات النقود، والرابع، الذي ربما أدخلهم الإسلام أفغاني مهاجر. والحقيقة أن كثيراً من العرب والمسلمين نجحوا في الغرب وبنوا أنفسهم بجدارتهم وكفاءتهم وتبوأوا مواقع أكاديمية وإدارية وسياسية يستحقونها. وهناك جمعيّات ومنتديات عربية وإسلامية صادقة وقوية تسعى لخدمة قضايا عربية وإسلامية مع التفاعل مع المجتمع هناك والانصهار فيه، وأعضاء هذه الجمعيات يعتمدون غالباً على تمويل ذاتي أو على مصادر محليّة واضحة. ولكن مما بات يطفو على السطح مؤخراً، ويشكل إلى حد كبير صورة الإسلاميين وحتى المسلمين في الغرب، صورة "الإسلامويين" ممن لهم ماضٍ انحرافي، أو الذين تركوا مهناً ناجحة مثل الطب والهندسة ولجأوا للعنف، على نحو يعكس اختلالا نفسياً وعقلياً. وهناك جمعيات ومؤسسات تتاجر بالإسلام، وتدّعي تبني وتقديم الإسلام للغرب، وتتصل مع الدول والنخب العربية طالبة الدعم لتحسين صورة المسلمين في الغرب، بينما نشاطات كثير منها محورها المصالح الشخصية والمال. هناك بالتأكيد خلل كبير، ومن المهم قبل التعاون مع أي جهة عربية أو مسلمة، علمانية أو إسلامية تدّعي أنها بوابتنا وسفيرنا في الغرب، إخضاعها لأسئلة حول عدد وهويّة أعضائها، ومدى صدقها وملاءتها الفكرية والمؤسسية. كما يجب فهم ظاهرة "إسلاميي" السجون والانحراف. د. أحمد جميل عزم aj.azem@gmail.com