بوصول سعر البرميل الواحد إلى 40 دولاراً، يكون سعر النفط قد وصل إلى مستويات تاريخية بلغها في أكتوبر عام 1990 إثر استيلاء العراق على الكويت. وهناك أسباب كثيرة لهذا الارتفاع، لكن السبب الأهم هو التزاحم على النفط بين القوى العظمى في العالم.
فالنفط يشكل مورداً حيوياً للعالم الصناعي. والوصول إلى النفط والحصول عليه بأسعار معقولة، والسيطرة السياسية التي تتمتع بها المناطق المنتجة للنفط وحرمان الدول المعادية من سيطرة كهذه، كل ذلك يثير بمجمله قلقاً دائماً للدول الرئيسية المستوردة للنفط ومنها الولايات المتحدة.
ويذكّرنا الارتفاع المطرد لأسعار النفط على مدى الشهور العشرة الماضية بالأسباب الحقيقية وراء حرب أميركا على العراق. فهذه الحرب لم تكن بهدف التخلص من "خطر وشيك" تشكله أسلحة التدمير الشامل التي لدى صدام حسين. والخبراء عرفوا أنه ليس هناك تهديد من ذلك النوع.
كما لم تكن الحرب بهدف جلب "الحرية" إلى الشعب العراقي. فتلك الذريعة التي تثير السخرية قد انفضحت بتدمير الدولة العراقية وبفعل سقوط عشرات الآلاف من الجنود العراقيين والمدنيين بين قتلى وجرحى- أو تعرضهم للتعذيب- على مدى الأشهر الـ14 الماضية. ولذلك يكون من مصلحة مصداقية الرئيس بوش، التي تعرضت لضربات شديدة سلفاً، أن يكف عن استخدام كلمة "الحرية".
ففي شن الحرب على العراق، كان الهدف الرئيسي لصقور واشنطن أن يعززوا قبضة أميركا السياسية والعسكرية على دول الخليج العربي وعلى احتياطياتها الغنية بالنفط، والتي تُعتبر شرطاً ضرورياً ومسبقاً للهيمنة على العالم. وإلى هذا الهدف الأميركي بكل ما فيه، أضاف الصهاينة في الإدارة الأميركية غرضاً ثانياً، وهو حماية إسرائيل وتعزيز تفوقها الإقليمي على جيرانها العرب.
وصدّق المخططون في الولايات المتحدة أنهم إذا أطاحوا بصدام حسين وأعادوا تشكيل العراق كدولة عميلة للولايات المتحدة، فإن ذلك سيضمن مورداً وفيراً من النفط تحت السيطرة الأميركية، وأن يوفّر ثقلاً معادلاً لثقل السعودية التي أصبحت في عيون "المحافظين الجدد" الأميركيين مرتعاً خصباً للإرهاب الإسلامي وتحوّلت إلى عدو محتمل للولايات المتحدة. لكن الحرب برهنت على وجود خطأ عميق وباهظ التكاليف في الحسابات. فقد كلّفت الحرب حتى الآن أكثر من 150 مليار دولار- وليست هناك في الأفق نهاية لهذا الاستنزاف الذي يستنزف الرجال والموارد. ومن شأن استثمار نصف ذلك المبلغ في استخراج النفط من الرمال القارّية الغنية بالنفط في منطقة أثاباسكا الكندية أن يكون أكثر إدراراً للأرباح.
ويرتفع حجم الطلب العالمي على النفط على نحو مطّرد. ففي عام 2003 استوردت بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكثر من نصف احتياجاتها من النفط مقابل 260 مليار دولار؛ وكان سعر البرميل آنذاك أكثر بمقدار 20 سنتاً ممّا كان في عام 2001.
وتشكّل الثورة الصناعية السريعة في الصين عاملاً آخر ذا أهمية حاسمة. ففي عام 2003، ارتفع حجم الطلب الصيني على النفط إلى 5.4 مليون برميل يومياً، وبزيادة قدرها 10 سنتات على سعر البرميل الواحد في عام 2002. وبحلول شهر فبراير من عام 2004، ارتفع حجم الطلب الصيني على النفط ارتفاعاً مفاجئاً فبلغ 6.3 مليون برميل يومياً. وقد تم استيراد ما يقرب من مليوني برميل يومياً من حجم تلك الواردات النفطية.
وتعادل واردات الصين النفطية الآن حجم واردات اليابان أو تفوقها، ومن الممكن أن تفوق حجم الواردات النفطية الأميركية بين عامي 2010 و2020. ولذلك يبدو من المؤكد أن الصين ستكون أكبر سوق للنفط في العالم على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة القادمة.
فمن أين سيأتي النفط الإضافي المطلوب؟
على رغم عمليات استكشاف واستخراج النفط الجارية في روسيا وبحر قزوين وغرب أفريقيا، لا يبدو أن هناك بديلاً حقيقياً لنفط الشرق الأوسط الذي تقول حسابات الخبراء إنه سيحتاج إلى إنتاج كميات إضافية قدرها 10 ملايين برميل يومياً على مدى السنوات العشر أو الخمسة عشرة القادمة. وتقول التقديرات إن ذلك سيتطلب استثمار 80 مليار دولار، وهو استثمار لا يمكن لغير شركات النفط الدولية تمويله. وهكذا تتهيأ الظروف لانطلاق منافسة شديدة على امتيازات النفط في الشرق الأوسط في السنوات القادمة. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن ترتفع حصة أوبك من مجموع الموارد النفطية العالمية إلى 45 في المئة، حيث تبلغ الآن 38 في المئة فقط. ومن بين الدول الشرق أوسطية المنتجة للنفط، ستبقى السعودية في مكان الصدارة والتفوق. وليس هناك في العالم اليوم بديل للنفط السعودي. فحتى روسيا لا يمكنها أن تسد الفراغ الناجم إذا كان مقدراً أن يحدث انقطاع في التوريدات النفطية السعودية.
ولذلك أطلقت الأسواق صيحة ذعر حيال الهجمات الإرهابية الأحدث التي وقعت في مدينة ينبع السعودية القريبة من محطة تفريغ النفط الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وقد أتى هجوم ينبع إثر هجوم شنه منفذوه من البحر على منشأة نفطية عراقية في البصرة، وهو هجوم كاد يحقق ا