في اللحظات الحاسمة من تاريخ الأمم تثار تساؤلات حول الخيبات التي تصيب الأمة. الكويت ليست بمعزل عن عمقها العربي، وهي بكل تأكيد تشترك بملامح كثيرة في سيكولوجية الخيبات العربية. نحن نعيش لحظات حاسمة في تاريخ الديمقراطية، حيث هناك من يراهن على وأدها ويستخدم هذا الشعار لاستنهاض روح معارضة لوأد الديمقراطية. وهناك في الجانب الآخر البعض، ونحن منهم، يعتقدون أنه مهما كانت العثرات فالديمقراطية حقيقة واقعة لا يمكن وأدها حيث الظروف الذاتية والموضوعية تحول دون ذلك. لكن هذا لا يعني سقوط نظرية الصراع الاجتماعي الطبيعي الذي يعيشه المجتمع الكويتي. الصراع يتمحور حول المصالح في حالة تلاقيها وتنافرها، وهو صراع في الحالة الكويتية له أبعاده الخاصة، حيث أنه خرج عن طريقه، وإفرازاته خطيرة لا تحكم بمنطق المنتصر والمهزوم، لأن كل الأطراف المتصارعة ستدفع ثمناً للصراع المرضي. دعونا نقول إن الديمقراطية انحرفت لأسباب عديدة، لكنها هي خيار الأمة الذي يجب الحفاظ عليه والدفع به نحو مزيد من تعميق التجربة. والخوف هو من أن يقود الصراع إلى حالة من التفتت الاجتماعي، لأن الدولة غائبة أو مغيبة أو منحازة لهذا أو ذاك، وبالتالي نحن ندفع الثمن للعبثية التي طغت على كافة المستويات. تعطيل للديمقراطية، وإن كان مقبولاً من الناحية الدستورية، إلا أنه ليس أفضل وسيلة لحل الصراع، ومن ثم فعلينا البحث في طبيعته وأسبابه الخفية والعمل على تنقية التجربة من الشوائب. نعتقد أن المراجعة والمصالحة مطلوبتان، والمراجعة نعني بها إعادة الحسابات بحيث نحسب الإخفاقات وثمنها ونصحح المسيرة دون تشنج. أما الدستور فقد وُضعَ في ظرف زمني مغاير، فاليوم اختلف الظرف الزماني والمكاني من حيث تطور المجتمع والظروف المحيطة به. ولعل إعادة التقييم يجب أن تنطلق من مراجعة للدستور، وذلك بحثاً عن مزيد من تعميق الحريات. هناك الكثير من القضايا المطلوبة؛ مثل إعادة النظر في عدد النواب والوزراء، وآليات المحاسبة للسلطة التنفيذية وعلى رأسها محاسبة رئيس الحكومة التي لا يجب أن تكون بالطريقة الدائرة حالياً. فالمحاسبة يجب أن تقتصر على السياسات العامة ويجب تقنينها لمنع التوتر وتعطيل مصالح الأمة. هناك أزمة في لغة الخطاب السياسي، وفي فهم طبيعة الأدوات الدستورية، حيث أن انحرافها نحو الثأرية في كثير من المناحي، وهي ظاهرة خطيرة يجب وقفها لوقف النزيف الداخلي للمجتمع. ولعلنا في التشخيص نشير إلى قضية محورية تتجسد في تركيب المجتمع من حيث مراكز القوة. وهنا علينا أن نكون شفافين في تشخيصنا لواقع المجتمع الكويتي. علينا أن نقبل بالحقائق الاجتماعية لنمو قوى جديدة وشريكة شراكة حقيقية في صنع القرار، ولا يمكن عزلها أو إغفال دورها. الكويت تمر بتحولات اجتماعية خطيرة، وهي تحولات طبيعية تفرزها أدوات الصراع الاجتماعي. ونعتقد أن التحول ضد حليف الأمس المجسد في القبيلة هو التحدي الجديد الذي يواجه الكويت. وهنا نرى أن الحكمة مطلوبة في إدارة الصراع. القبيلة من حيث استخدامها السياسي نتاج لسياسة حكومية ولا يمكن الانقلاب على حلفاء الأمس وعزلهم اجتماعياً وسياسياً. ربما يتمثل الخطر الكبير في إغفال تعلية مشروع المواطنة لإحداث الاندماج الاجتماعي، واليوم يدخل النظام في صراع مع القبيلة من خلال تحالفات مع بعض القوى الشيعية والتجار والتيار الليبرالي لإحداث تغيير في أدوات الصراع. المشهد الكويتي يعيش حالة خطرة، حيث أن أدوات الصراع خرجت عن الدائرة المحلية، ودخل لاعبون جدد في إدارة الصراع، ولا نستبعد الموقف الإيراني ودوره في تأجيج الصراع مع القبيلة، وكذلك لا نستبعد حتى الموقف الأميركي الذي يريد الدخول في مهادنة مع إيران، وقد تكون الكويت الضحية في مثل هذا الصراع البغيض.