كشف توالي ظهور صور الممارسات المشينة التي أقدم عليها الجنود الأميركيون بحق الموقوفين العراقيين عن مدى المأزق الأخلاقي والسياسي الذي ما زالت الإدارة الأميركية تتخبط فيه. ففي إصرار وسائل الإعلام الأميركية على نشر تلك الصور نوع من التحلل من الحلف غير المقدس الذي عقده الإعلام الأميركي مع إدارة بوش طيلة الحرب لأسباب تتعلق بالوطنية والدفاع عن المصالح القومية الأميركية. ومثل هذا التحلل أو التخلي يجعل إدارة الرئيس بوش في حالة انكشاف حقيقية، تسمح بتعرية أخطائها وفضح تخبطها، والتشهير بمشروعها السياسي في الداخل والخارج، وربما تكون في الطريق مفاجآت غير سارة أخرى، لا تخطر الآن على البال.
فهذه الإدارة منذ حلولها في البيت الأبيض عكست استهانة غير مسبوقة بالمنظمات الدولية، ابتداء من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وانتهاء باتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وبروتوكول كيوتو حول الإحماء الحراري العالمي. كما عبرت في تصرفاتها عن ازدراء خطير للقانون الدولي، وتصرفت برعونة في أكثر من ملف، وبطريقة تنسف أية هالة عن أميركا "سيدة العالم الحر"، وهي مقولة كان البعض يعزي نفسه بها في ظلام النظام الدولي الدامس وظلمه طيلة الحرب الباردة.
وحتى لا يكون الكلام مطلقاً على عواهنه، سأكتفي للتدليل على مدى استهانة هذه الإدارة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان باستراتيجيتها في التعامل مع أزمة تعذيب الموقوفين العراقيين التي ما زالت تفاعلاتها مستمرة حتى الآن.
عندما كشف الإعلام الأميركي هذه الأعمال الشنيعة تحدث الرئيس بوش عن الموضوع ولكنه لم يعتذر صراحة. قال إن هذه الممارسات لا تعبر عن قيم الأميركيين. ما في ذلك شك. إذ ليس هنالك مجتمع في العالم يقر مثل هذه الممارسات. لكن ما دخل الأميركيين في الأمر؟ من قال إنها تعبر عن قيم الأميركيين حتى ينفي بوش ذلك؟! المهم أن هذه الأفعال الشنيعة حصلت على أيدي جنود ومسؤولين أميركيين، وهم موجودون ومعروفون من واقع الصور، وأميركا دولة ديمقراطية ولديها قوانين، واتفاقية جنيف الرابعة واضحة، وهنالك منظمات دولية ومحاكم دولية، ويمكن وضع الأمور في سياقها القانوني وليس فقط المماحكة والاعتذار، أو عدم الاعتذار!
ثم إن من الملفت أن المسألة جرى التعامل معها باعتبارها قضية أميركية داخلية بوجه ما، فتحولت إلى مناظرات سفسطائية في الكونجرس الأميركي ألقى فيها دونالد رامسفيلد ومجلس حربه، ملحمة خطابية لا أول لها ولا آخر، انتهت بتفرق أعضاء المجلس المجتمعين بعد جلسات مرهقة دون التوصل إلى اتخاذ إجراءات واضحة تعيد الأمور إلى نصابها، إذا استثنينا عرض رامسفيلد تعويض بعض الضحايا المتضررين. والمؤسف في المسألة هو هذه الروح الأحادية: صراع بين رامسفيلد والكونجرس وأجنحة الإدارة والإعلام الأميركي، ونقاشات وجدل غير مثمر يتغذى بضحايا حقيقيين هم أولئك الموقوفون العراقيون.
الأميركيون تحولوا إلى طرفين متصارعين حول انتهاك حقوق العراقيين، ومجلس الحكم العراقي الذي أنشأته واشنطن، غائب عن كل ذلك! بل إن العالم العربي غائب إلى درجة أن غيابه لم يعد ظاهرة ولا أمراً واقعاً، بل أصبح سبباً آخر من أسباب تردي الوضع الإقليمي في المنطقة. فهل تسجل القمة العربية المرتقبة بعد طول مخاض حضوراً عربياً فاعلاً في المشهد السياسي بالمنطقة؟ في ضوء ما نشهده وشهدناه، أشك شخصياً في ذلك.