منذ أن أفرج الرئيس الأميركي أوباما عن "مذكرات التعذيب"، والتي أجازت فيها وزارة العدل في عهد إدارة بوش الابن لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" اعتماد "تقنيات الاستنطاق المطورة"، تكررَ نسق مألوف بخصوص الاستخبارات الأميركية: أصبحنا جد منشغلين بالمرآة الخلفية لدرجة أننا أهملنا الانتباه إلى القادم في اتجاهنا. وإذا كان جزء كبير من المناقشة قد انصب على ما قيل لرئيسة مجلس النواب بيلوسي قبل سبع سنوات، فإن الموضوع الأهم هو الإصلاح العاجل للعلاقة بين أجهزة الاستخبارات والكونجرس. ولفترة تربو على السنة، تشرفتُ برئاسة لجنة تابعة للكونجرس أنيطت بها مهمة مراجعة الوضع الاستراتيجي الحالي للولايات المتحدة؛ ضعفه وانكشافه أمام أحد أسلحة الدمار الشامل. وكانت الخلاصة التي خلص إليها أعضاء لجنتنا التسعة بالإجماع، جمهوريين وديمقراطيين، تتمثل في أن احتمال استعمال سلاح من هذا القبيل في هجوم إرهابي في مكان ما قبل نهاية عام 2013 أكبر من احتمال عدم استعماله. ولتقليص هذا الاحتمال، قدمت اللجنة 13 توصية، يشدد أكثرها على دور الاستخبارات باعتبارها أول خط للدفاع. إن تجنب هجوم كارثي محتمل باستعمال أسلحة الدمار الشامل يبدأ من الأعلى، أي بإصلاح العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وفرعي السلطة، التنفيذي والتشريعي. ومعلوم أن لجان الاستخبارات التابعة للكونجرس أنشئت في سبعينيات القرن الماضي بهدف ضمان المحاسبة، على اعتبار أنه إذا جرى إطلاع اللجان بشكل كامل على أنشطة أجهزة الاستخبارات المقبلة، فإن ذلك يشكل مستوى من المحاسبة قبل الإقدام على تنفيذ برامج معينة. وكانت الفكرة تتمثل في أن تتقاسم اللجان حس المسؤولية وتقليل احتمال توجيهها أصابع الاتهام للغير في حال إخفاق استخباراتي. غير أن الجدل الدائر حول "تقنيات الاستنطاق المطوَّرة" يُظهر أن هذه العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل واقتسام العواقب قد تحطمت، حيث تشير سجلات الـ"سي آي إيه" بشأن الإيجازات المقدَّمة للكونجرس، إلى أن إشعارات الكونجرس إنما حدثت بعد أسابيع من بدء العمل بـ"الإيهام بالغرق" وغيرها من أساليب الاستنطاق الاستثنائية الأخرى. وعليه، فإنه ينبغي على الرئيس وزعماء الكونجرس أن يشرعوا فوراً في المشاورات التي تبني الثقة المتبادلة وتساعدنا على بلوغ الهدف الأصلي. وإذا كان ذلك أمراً مهماً للغاية، فثمة أمر آخر يجب فعله أيضاً حتى نحافظ على علاقة قائمة على اقتسام المسؤولية. يتعين على الـ"سي آي إيه" أن تحسِّن نظام إدارة سجلاتها. والواقع أن الخلاف حول تواريخ الإيجازات بشأن الاستنطاق ليس أول مناسبة تعارض فيها مذكراتي أقوال الـ"سي آي إيه"؛ فقد علمني والدي أن أسجل نشاطي اليومي بشكل مفصل. وانطلاقاً من مذكراتي وملاحظاتي، فإن ثلاثة من الإيجازات الأربعة التي يفترض أني حضرتها لم تحدث أبداً. والحال أنه يفترض ألا تكون سجلات فرد عضو في الكونجرس أفضل من سجلات أول وأكبر وكالة استخبارات في البلاد. وعليه، يتعين على الكونجرس والـ"سي آي إيه" معاً، البدء بالتأسيس لممارسة شبيهة بتلك التي يتم إلزام الشركات المسجلة في البورصة بالقيام بها؛ وهي الاحتفاظ بتسجيل مكتوب أو محضر مفصل لكل جلسة إيجاز سرية، مع توزيع أي وثائق مرفقة على كل المشاركين وتوقيعهم عليها موافقة أو اعتراضاً، وهو ما من شأنه تفادي حالات تعارض المذكرات بشأن إيجاز غير مسجل حدث قبل سنوات. إن التوفيق وإحداث توازن بين قيم مجتمع منفتح، يحتاج إلى جمع وتحليل المعلومات السرية، واتخاذ القرارات بشأنها واحد من أكبر التحديات التي تواجهها أي ديمقراطية. والأكيد أن الخلاف العام حول "من قال ماذا ومتى"، ليس الوسيلة الأنسب لمواجهة مثل هذه التحديات. والأكيد أيضاً أن الولايات المتحدة تستطيع، وعليها أن تحسن أداءها، إذا ما كان يراد لأجهزة الاستخبارات والرئيس والكونجرس أن يلعبوا أدوارهم الأساسية في تأخير اليوم الذي يحتمل أن يمتلك فيه أسوأ الناس أسوأ الأسلحة لاستعمالها ضد الولايات المتحدة. بوب جراهام ------ سيناتور ديمقراطي سابق، ورئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأميركي بين عامي 1001 و2003 ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"