شهدت العقود والسنوات الأخيرة تطوراً هائلا في عمليات إنتاج وحفظ ونقل وتجارة المواد الغذائية، فيما أصبح يعرف بعولمة صناعة الغذاء، التي أصبحت لا تعترف بمواسم الحصاد، ولا بالحدود الجغرافية، في توفير كل ما لذ وطاب من الأنواع والأشكال المختلفة للغذاء، وعلى مدار جميع فصول العام. وهذه الثورة الغذائية التصنيعية والتوزيعية، ترافقت أيضاً مع زيادة احتمال انتقال الأغذية الملوثة وجميع مسببات الأمراض التي تنتقل عن طريق الغذاء من قارة إلى أخرى، في غضون ساعات أو أيام قليلة، بعد أن كانت هذه الأمراض والملوثات غالباً ما يقتصر انتشارها على مناطق محدودة جغرافياً. وهو ما دفع بهيئات الرقابة الغذائية الحكومية في مختلف الدول، إلى إدراك أنه لا يمكن تحقيق سلامة وأمن الأطعمة داخل مجتمع ما، من خلال إجراءات وتدابير قومية فقط، وبدون تعاون دولي فعال في هذا المجال. وخصوصاً في ظل التقديرات الدولية التي تشير إلى أن عدد الوفيات الناتجة عن الأمراض التي يتسبب فيها تلوث الغذاء أو مياه الشرب، وخصوصاً الإسهال، تزيد عن مليونيْ وفاة سنوياً، بالإضافة إلى أن الإسهال يعتبر أحد الأسباب الرئيسية خلف سوء التغذية بين الرضع والأطفال صغار السن في الدول النامية. وحتى في الدول الصناعية الغنية، تشير الإحصائيات إلى إصابة 30 في المئة من سكان هذه الدول بالتسمم الغذائي كل عام. ففي الولايات المتحدة مثلا، وخلال العام الواحد، يصاب 76 مليون أميركي بالتسمم الغذائي، ويتم حجز 325 ألفاً منهم في المستشفيات بسبب التدهور الشديد في حالتهم الصحية، ويفقد 5 آلاف منهم حياتهم بسبب وطأة المرض. وتتضاعف هذه الأرقام بشكل كبير في حالة وقوع أوبئة من التسمم الغذائي، كما حدث عام 1994 عندما أصيب 224 ألف شخص في الولايات المتحدة بميكروب "السلامونيلا" من جراء تناول "آيس كريم" ملوث، وإصابة 300 ألف شخص عام 1988 في الصين بفيروس التهاب الكبد (A)، بسبب تناولهم محاراً بحرياً ملوثاً بالفيروس. وبخلاف مئات الآلاف من الوفيات التي تحدث سنوياً، يحمل التسمم الغذائي في طياته ثمناً اقتصادياً واجتماعياً هائلا. فعلى سبيل المثال، تخسر الولايات المتحدة أكثر من 35 مليار دولار سنوياً، في شكل نفقات طبية تصرف على علاج حالات التسمم الغذائي بين سكانها، بالإضافة إلى الخسارة الناتجة عن فقدان الإنتاجية الاقتصادية بين المصابين خلال أيام المرض. وإذا ما أصاب التلوث قطاعاً من الإنتاج الغذائي فتكون حينها الخسارة مضاعفة، كما حدث في بيرو عام 1991، عندما فقد الاقتصاد أكثر من 500 مليون دولار في شكل أسماك ومنتجات بحرية، بسبب ظهور مرض الكوليرا حينها، الذي ينتقل عن طريق الماء الملوث والأحياء البحرية. وبوجه عام، يمكن تقسيم التسمم الغذائي إلى نوعين رئيسيين؛ نوع ينتج عن وجود ميكروب أو جرثومة في الغذاء، ونوع آخر ينتج بسبب وجود سموم في الغذاء، سواء كانت هذه السموم اصطناعية أم طبيعية أم ناتجة عن جراثيم وميكروبات. وهو ما يعني أن النوع الأول هو في حقيقته نوع من العدوى التي تتم عن طريق تناول غذاء ملوث بالميكروب أو الفيروس أو الطفيلي، تغزو على إثرها هذه الجراثيم الجسم عن طريق الجهاز الهضمي، لتسبب حزمة متنوعة من الأمراض المختلفة. وأما النوع الثاني، فهو ببساطة نوع من التسمم، تظهر فيه الأعراض والعلامات بسبب دخول كمية من السم إلى الجسم، فتسبب اضطراب أعضائه وأجهزته الحيوية. وهذا السم، إما أن يكون مادة كيميائية لوثت الغذاء بشكل مباشر، أو أن يكون في الغالب ناتجاً من ميكروبات وجراثيم كانت تعيش على الغذاء الفاسد، ثم أنتجت سموماً كجزء من مخلفاتها الأيضية. وفي هذه الحالة الأخيرة، لا يشترط وجود الجراثيم في حد ذاتها في الغذاء وقت تناوله، بل يكفي وجود سمومها فقط. ولذا يعتبر العلماء والأطباء، أن استخدام مصطلح التسمم الغذائي للتعبير عن جميع هذه الحالات هو استخدام خاطئ، ويفضلون استخدام مصطلح "الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء" (Food Borne Diseases) للتعبير عن الحالات التي تنتج عن العدوى المباشرة، وعن الحالات التي تنتج بشكل غير مباشر من بقايا ومخلفات سموم البكتيريا. ولن يتسع المقام هنا لذكر جميع الأمراض والسموم التي تندرج تحت مجموعة الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء، حيث إنها عديدة ومتنوعة جداً إلى درجة أن الكثير من الكتب والمراجع الطبية تختص فقط بعرض وشرح هذه النوعية من الأمراض، التي إما أن يكون سببها بكتيرياً، أو فيروسياً، أو طفيلياً، أو أي نوع من السموم سواء كانت سموماً طبيعية أم اصطناعية. وإن كان جديراً بالذكر هنا، أن الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء، تنتج غالباً من سوء التعامل مع الأطعمة في أي من مراحل الإنتاج، والتصنيع، والنقل، والتخزين، والتحضير في المطاعم أو المنازل. ولذا لابد من اتباع الإجراءات السليمة خلال جميع هذه المراحل بدون استثناء، وخصوصاً عند التحضير. حيث يتفق العاملون في مجال الصحة العامة على أن إجراءً بسيطاً مثل غسل اليدين قبل تحضير، أو تناول الطعام، يعتبر من أفضل التدابير على الإطلاق للوقاية من الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء، ولتجنب ثمنها الإنساني والاقتصادي الفادح.