خلال دفاعه عن فيلمه المثير للجدل "ملائكة وشياطين"، رفض النجم الأميركي توم هانكس اتهامه بالإساءة للمسيحية.... مؤكداً أن "الأمر في النهاية يتعلق بفيلم خيال موثق ببعض الحقائق المذهلة "وقد تعرّض الفيلم إلى انتقادات قاسية من قساوسة، وصلت إلى حد رفض أبرشية كبير الأساقفة في روما منحه حق التصوير في الكنائس التاريخية... كما دعت عدة كنائس كاثوليكية أتباعها في دول أوروبية إلى مقاطعة الفيلم، بسبب ما تراه هذه الكنائس إساءة للمسيحية. لكن الفاتيكان تجنب حتى الآن انتقاد الفيلم على عكس ما فعل عام 2005 مع "شفرة دافنشي". لنأخذ هذه النقاط بعين الاعتبار: أولاً: فيلم سينمائي يتعرض للعقيدة الكاثوليكية المقدسة عند الكاثوليك. ثانياً: رد فعل القساوسة لم يتجاوز التنديد والرفض والشجب. ثالثاً: لم تتم مطالبة الحكومات بمنع الفيلم. رابعاً: لم يتم تكفير المؤلف والمخرج والممثلين. خامساً: لم يحرض القساوسة والبابا أتباعهم على الاعتداء عليهم أو اغتيالهم. سادساً: القساوسة تعاملوا مع الموضوع باحترام ووفقاً للقوانين العلمانية أو ضمن إطار الدولة القانونية، وهذه الدولة تحترم الرأي الآخر. لننظر إلى الصورة المقابلة في العالم الإسلامي "المتسامح" ما شاء الله عليه، فيما لو افترضنا صدور كتاب لا يقرؤه سوى القلة من المثقفين، وليس فيلماً! الذي سيحصل هو التالي: 1- أولًا، سيتم تحويل الكتاب إلى وزارة المنع، أقصد وزارة الأوقاف، لإصدار "توصية" لوزارة الإعلام لمنع الكتاب من التداول. 2- ستقوم وزارة الإعلام بمصادرة نسخ الكتاب الممنوع إذا كان الناشر قد أحضرها معه من بلاده. 3- بصورة أو بأخرى، سيجد الكتاب طريقه إلى القارئ، وعندها تبدأ الجرجرة و"الشرشحة" في أروقة النيابة العامة والمحاكم. 4- سينتشر اسم المؤلف تسفيهاً وتنديداً وتهديداً. 5- ستعمل الجماعات الدينية كل ما في وسعها لعزل الكاتب اجتماعياً. 6- ستخضع الدولة لرغبات هذه الجماعات ولن تهتم حتى بحماية الكاتب. 7- ستعمل الصفحات الدينية تمزيقًا لسمعة الكاتب ليعلم الناس بـ"جريمته". وبعد كل هذه المشاكل، لا تعدم أحد الفقهاء أن يقف صادحاً بالتسامح في مجتمعاتنا! ثم بعد هذا كله نستغرب ونتعجب من وجود صراع ليبرالي- ديني في العالم العربي والإسلامي! والمأساة كل المأساة أن مسلسل الترهيب للكُتاب والمثقفين في العالم العربي والإسلامي تتنامى وتيرته وتتصاعد كلما سعى الغرب لفرض الإصلاحات السياسية والمدنية على دول هذا العالم، بحيث إنه ما عاد هناك بصيص أمل في نهاية هذا النفق المظلم في مجال الحريات الفكرية. فالتكفير يزداد، والتحريض مسلسل لا تبدو له نهاية، والمتدينون المتشددون يزدادون عنفاً وضراوة بتأييد من بعض الحكومات التي لا تعاقبهم على التحريض. وفي المقابل، لا يملك الإنسان العاقل إلا أن يأسى على حال المثقفين والكُتّاب، وأن يلطم الخدود ويشق الثياب ويندب حظهم على التواجد في المكان الخطأ والزمن الخطأ في عالم يتدخل فقهاؤه في كل صغيرة وكبيرة وكأنهم أُعطوا مفاتيح المغفرة. ولا يختلف هذا الأمر بالنسبة للمثقفين عن صكوك الغفران التي كانت الكنيسة تصدرها بحق مخالفيها في العصور الوسطى. بل ويا ليت هؤلاء الفقهاء قاموا ببيع هذه الصكوك، على الأقل يتوافر حق الاختيار والرغبة. وفي وقت يشهد فيه العالم الغربي تطوراً هائلاً في الحريات الفكرية، نشاهد في المقابل تخلفاً مريعاً في مجال حقوق الإنسان في عالم لا يخجل من الحديث عن التسامح!!