من المفارقات الغريبة أن العرب لم يفكروا في الإصلاح جدياً إلا بعد أحداث 11 سبتمبر المؤلمة والمبادرة الأميركية للشرق الأوسط الكبير.. حيث بادر الكثير من الدول العربية والخليجية لعقد ندوات واجتماعات ومؤتمرات كلها تدعو إلى كيفية معالجة قضايا الإصلاح. فقد عقد في الإسكندرية الاجتماع الكبير حول الإصلاح قبل شهرين تقريباً، وعقد بعد ذلك مؤتمر في بيروت يعالج المشكلة نفسها، كما عقدت في كل من البحرين وقطر ودولة الإمارات وعمان ندوات ومحاضرات تعالج الإشكالية نفسها.
حضرت في الأسبوع الماضي ندوة أقامتها جامعة القاهرة - قسم العلوم السياسية لبحث "قضية الديمقراطية في الوطن العربي" نوقش فيها حوالى 20 بحثاً تتعلق بإشكاليات الديمقراطية في الوطن العربي الكبير.
الغريب في اجتماعات العرب الخاصة بالديمقراطية هو أنهم جميعاً متفقون على انتقاد المبادرة الأميركية لأنهم اعتبروها تدخلا في شؤونهم الداخلية ولا يريدون لأحد أن يفرض عليهم نموذجا معينا من الديمقراطية وهم بذلك يتفقون مع الأنظمة العربية التي ترفض المبادرة الأميركية لأنها تفرض عليها فرضاً. الحقيقة التي يعيها المثقفون العرب والحكام العرب هي أنهم لا يمانعون في القيام بالإصلاحات الديمقراطية التي تريدها واشنطن منهم لكنهم يرفضون مفهوم واشنطن الخاص بــ"تدوير السلطة" لذلك اعترضت الأنظمة على الديمقراطية. فالأنظمة العربية تعترف بأنها بدأت بتطبيق كل ما جاء في المبادرة الأميركية (حسب مفهوم الأنظمة) ما عدا مفهوم تدوير السلطة.
دب خلاف بين حضور ندوة القاهرة حول كيفية البدء في الإصلاح وهل نبدأ بالإصلاح السياسي؟ أم الإصلاح الاقتصادي؟وهل يمكن القيام بإصلاحات جذرية نحو الديمقراطية في الوطن العربي بدون وجود "دولة المؤسسات".. وهل البرلمانات ومجالس الشعب العربية ومجالس الأمة الموجودة في الوطن العربي تمثل الإرادة الشعبية فعلاً أم أنها "برلمانات" شكلية.. بل أصبح بعضها "هايدبارك" جديدة (البرلمان الكويتي) يلقي فيه النواب كلاماً قوياً ضد السلطة لكن في النهاية لا يتغير شيء.. لدينا تعددية فكرية في الوطن العربي لكن لم يحدث أي تحرك مجتمعي نحو الديمقراطية.
ماذا عن الخليج؟ لماذا طرحت القضايا الخاصة بالإصلاح؟
لقد أوضحت في ورقتي أن الإصلاحات في الخليج ليست جديدة فبعضها طرح قبل اكتشاف النفط، الجديد في المطالب الإصلاحية الجديدة يعود إلى عدة عوامل داخلية أهمها انتشار البطالة في الخليج والتضخم الوظيفي ووقف التوظيف في الدوائر الحكومية والاتجاهات الجديدة نحو الخصخصة التي خلقت حالة من البطالة بين الشباب الخليجي غير المؤهل ووقف سياسات الدعم الخليجية للمواطنين، وأخيراً ازدياد عمليات العنف والإرهاب ضد بعض الأنظمة الخليجية، كلها عوامل ساعدت في المطالبة بالإصلاح في دول الخليج.
أما العوامل الخارجية التي تدفع للإصلاح فهي تبدأ من الثورة الإيرانية التي نقلت الكثير من الأفكار الثورية الإسلامية لدول الخليج كذلك أحداث 11 سبتمبر وما ترتب عليها من إصرار الإدارة الأميركية على إحداث التغيير في كل المنطقة العربية بما فيها الخليج. التغييرات السياسية في العراق لا يمكن تجاهلها.. فإذا نجح العراق في إقامة نظام ديمقراطي تعددي حر فإنه حتماً سيؤثر على دول الخليج، أما إذا انزلق العراق في حرب أهلية وفوضى وعنف وإرهاب فإنه كذلك يؤثر على دول الخليج العربية.. وأخيراً نتصور أن الحديث والخلاف حول الإصلاح مهما كانت طبيعته فهو حوار صحي مطلوب ونتائجه ستكون إيجابية حتماً.