ما للهوية والشعر؟ وهل ترسخ الشعر، وكذا حقول عدة من إبداعات البشر، سوى على خلفية توتره ضد إكراهات الهويات المُسبقة. أما تفرد الشعر وأشباهه إلا لتمرده على الأحكام والمنظومات المكتملة المحيطة بالأفراد والجماعات لتحدد لهم كيف يفكرون، ويحكمون... ويتنفسون؟ كل منهما ينتمي إلى عالم مختلف: الهوية عالمها القيد، والشعر عالمه الانعتاق. لما تحاول الهوية، بكونها برنامجاً مصمتاً مكتملا، وليست حالة مفتوحة سرمدياً، احتلال حيز الشعر تحبطه وتقتل روحه. تفرغه من طاقته الروحية الأهم ومميزه الأسمى: التوق المتأبد لانعتاقات جديدة، و"يوتوبيات" غير مُنجزة. الهوية مشروع الواقع المنافح عن مكاسب القومية، والدين، والجغرافيا. الشعر (الصافي) مشروع الخيال والمثال، الروح الراحلة إلى ما هو أبعد من حدود الأقوام والأديان والجغرافيات. الشعر الطافح بالشوفينيات المتفاقمة، وطبقات التعصبات، ليس هو الشعر الذي يتم الحديث عنه هنا، فهو بعيد عن الشعر الصافي. هو ليس شعراً حتى لو تسمى قسراً بذلك. الاستثناء الوحيد المسموح به دخول الهوية إلى روح الشعر حالة أن تكون جزءاً من مشروع حرية، ومكوناً من مكونات انعتاق أكبر. دخولها الاستثنائي لا يعني منحها قبولا أبدياً في روح الشعر، بل هو إقرار ظرفي بالتقاء مؤقت في زمن وتاريخ ما مع التوق الأكبر والدائم نحو التحرر من المظالم أو الاستعمارات. وترك "الهويات" تعبث في معنى الوجود الإنساني ينطوي على خطر كبير في السياسة والاجتماع والثقافة ينبغي التحوط له. وعبثها بالشعر (الصافي)، وبألوان الإبداع الأدبي، حريٌّ بأن يُستزاد التحوط منه وضده أضعافاً وطبقات. لكن، أليست في ما سبق تهويمات مثالية وغير واقعية؟ من أين يأتي الشعر والشعراء أولا وآخراً؟ ألا يأتون من بيئات وحيوات تشكلها سياسة واقتصاد ونظم ثقافة وقيم وأديان وعلاقات مع "الآخر" وضده، كلها مجموعة تنتج هويات أو شظايا هويات تتسربل في دواخل الأفراد... والشعراء منهم. أليس من طبائع الأشياء أن تنعكس خبرات أولئك الأفراد والبيئات التي أفرزتهم على نوع وذائقة وشكل ما ينتجون؟ من أين لهم بـ"منظور" آخر غير ذاك الذي أورثتهم إياه تجربتهم الخاصة، الفردية والجماعية؟ الجواب على ذلك أن نعم: إن في إعلاء شأن الشعر (الصافي) مثالية وتوقاً أقرب إلى التهويمات، ولأنه كذلك فإنه يريد دوماً أن يفترق عن بشاعة الواقع. لكن الشاعر المتمرد على قوالب الهويات في شعره، يبقى في الآن ذاته معبراً عن التجربة الجماعية لمحيطه عن طريق "أناه" الخاصة. فـ"أنا" الشاعر هي المسبار الفرداني الذي انفلت من الجماعة، لكنه يظل يحوم حولها. علاقته معها أبعد وأعقد تركيباً من تبعية آلية. و"الأنا" الذاتية للشاعر الغارقة في أحاسيسها الداخلية، وأنانياتها الفردية، ونقدها المستديم لما حولها، وتوقها لما هو غير منجز وما هو غير مُتاح، هي التعبير العميق عن فشل المجموع في الانتقال معاً وكمجموع إلى حالة أفضل من "الأمر القائم". إن التقى التفرد الشاعري الانعتاقي والغناء التوحدي البعيد عن النوتات، أو النوتة، المُصوغة سلفاً، مع الجماليات العليا للفن الشعري، وروح الوجود الكامنة في الإيقاع الداخلي، يقترب المكتوب من حالة "الشعر الصافي". "أنْ أصلَ إلى كتابة الشعر الصافي" هذا كان جواب محمود درويش يوماً ما على سؤال سألته: وماذا بعد، ماذا تحلم أن تكتب؟ ندلف "باب دوكالة" في السور القديم المحيط بالمدينة القديمة في مراكش ونمشي يميناً ثم يساراً لنصل إلى "درب الدقاق" المنتهي إلى هذا النُّزل الرائق: "رياض صحراء النور". هنا يرتشف محمد بنيس شاعر المغرب الباهر الثقافة والإمتاع رشفة شاي أخضر، متابعاً حديثه حول "الحق في الشعر" وضرورة بقاء الشعر حاملا للمجهول، إذ كفانا ما تقوم به وسائل العلم الحديث والتمدن من كشف للمجاهيل. على جانبي بنيس، صاحب "نهر بين جنازتين"، شعراء ونقاد من سوريا وفلسطين والمغرب وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. كلنا في ضيافة الملتقى الشعري الرابع لـ"أبيات مراكش"، في هذا النزل الصغير حيث تتوسط نافورة صغيرة وشجيرات، فيما ترتاح الغرف الأندلسية الطراز متوسدة الجوانب الأربعة للنزل، مطلة أبوابها ونوافذها على الوسط حيث النافورة والحديقة الصغيرة. على بعد أقل من قصيدة من هنا تتمدد ساحة "جامع الفنا" الأشهر. في كل زقاق وزاوية تنام ألف حكاية في مدينة السحر هذه. فيها يُتاح لدعاة "اليوتوبيا" والشعر والانعتاق والتفلت من بشاعات الواقع أن يمارسوا تهويماتهم وبوهيمياتهم كيفما شاءوا مسنودين بروح المدينة. على رغم اللبوس السياحي الذي يعبث بمظهرها الخارجي، تظل روح مراكش تسخر من كل ما هو حديث، عصيّة على التغيير. في أزقة ساحة "جامع الفنا" وحيث تسير المغربيات بالزي التقليدي ذي الألوان المبهجة والحادة لا تملك إلا أن تبحث بعينيك في كل الاتجاهات باحثاً عن محمد بندالي، الروائي المغربي ابن مراكش الذي رسم حياة هذه الأزقة ورشها برائحة النعناع المغربي في كتابه الآسر "يوميات جزار". في الأمسية الشعرية والغنائية كان المتوسط بضفتيه يدندن شعراً ويتمايل طرباً. "فرانسوا غاشيه" وزوجته "لوسيل برنارد" يملكان النُّزل، وينظمان كل صغيرة وكبيرة حتى ينجح هذا اللقاء. الزوجان "تمغربا" بعد سنوات طويلة في مراكش، وابنتهما تزوجت مغربياً. الآن يغرق الزوجان في تنظيم لقاءات شعرية بعدة لغات، يواجهان التحدي الكبير في الترجمة. في الشعر تقتل الترجمة نص روح النص الأصلي، واليوم سيقرأ شعراء بالعربية والفرنسية والألمانية. وعند "لوسيل" إبداع إضافي: في الغناء. صوتها العذب يظل عالقاً في سماء مراكش، كأنما "إيديث بياف" تمس روح المدينة هذا المساء، فتترك "لوسيل" صوتها معلقاً في نجمة لامعة من منتصف ليل الأمسية وحتى الملتقى الشعري الذي سيلي في العام القادم. "جاك أنست" و"ليزا كليغمان" من فرنسا، و"ألما راكوزا" من ألمانيا، ومحيي الدين لاذقاني من سوريا، وجميلة أبيطار، وياسين عدنان، والمغنية الرائقة سمية عبدالعزيز مع العازفين خالد بدوي وخالد أصبح من المغرب، كلهم قدم وتراً زريابياً أو حزمة من أبيات شعر. كلهم مدت أذرع إيقاع من هذه "الرياض"، من ساحة "الفنا"، إلى كل المدن التي جاءوا منها. كان الإيقاع يمر في سماء بعيدة، يتمايل ويختال في فضاء "اليوتوبيا" والأحلام، في فلك الخيال المتسع، حيث الدروب مرصّعة بكواكب تفصلها عن بعضها بعضاً ملايين السنين الضوئية: بمثل ذلك الاتساع، كانت تلك الأمسية والليلة المراكشية العابرة. لكن على كرسي قصي تحت نور خفي كانت تجلس إحدى ساحرات مراكش، تدندن مع من يدندن بهدوء وصمت: جميلة حسون تقرأ شفاه الشعراء قبل نطقهم شعرهم، وتسبق لحن المغنين قبل أن يغنوا ألحانهم. لولا مديرة قافلة كتب الريف هذه، الراحلة إلى عمق قرى جبال الأطلس، وصحراء ورزازات، جنوباً إلى "كلميم"، لما كان لانعتاق الشعر وحريته و"يوتوبيته" أن تسجل جميعاً نصراً صغيراً آخر على وحل الواقع وتوحشاته.