يواصل الرئيس أوباما ومساعدوه عملهم الرائع في التعاطي مع أفغانستان، ليس فقط؛ لأنهم أقروا زيادة مهمة في عدد القوات الأميركية وأظهروا التزاماً صريحاً بمتابعة عملية إعادة الإعمار، بل أيضاً للجهود الحالية التي تروم تغيير الوجوه المشرفة على أفغانستان، والاستغلال الأمثل للموارد البشرية الأميركية هناك، والحد من التعثر الأميركي في أفغانستان. والسبب الذي يدفعني إلى هذا التفاؤل هو الأنباء الواردة من واشنطن باستبدال الجنرال "ديفيد ماكيرمان" الذي أمضى 11 شهراً على رأس القيادة العامة للقوات الأميركية في أفغانستان، بالجنرال "ستانلي ماكريستال"، دون أن ننسى التغيير الآخر، وإن كان أقل حضوراً في الإعلام، والمتمثل في تعيين الجنرال "ديفيد رودريجيز"، القائد السابق للفرقة 82 في أفغانستان، ليكون الضابط العسكري الثاني بعد ماكريستال، كمنسق لجهود المتدخلين في أفغانستان، بمن فيهم قوات "الناتو". والحقيقة أنه أتيحت لي فرصة اللقاء بالجنرال "ماكيرمان" الذي أُعفي من منصبه، فاكتشفت فيه قائداً كفئاً إلا أنه تقليدي إلى درجة كبيرة وليس من طينة القادة الديناميكيين القادرين على تغيير مجرى الحروب مثلما فعل ديفيد بيتراويس في العراق. فهناك راقبت العمل الشاق الذي بذله بيتراويس لفرض إرادته ليس فقط على العدو، بل أيضاً على قيادته العسكرية، وقد يتخيل البعض أنه عندما يصدر جنرال أوامره للضباط فإنهم يمتثلون لها بسرعة، والحال أنها كثيراً ما تبقى تلك التعليمات خارج نطاق التنفيذ مما يهدد خطط القادة بالفشل. ولتفادي هذا المصير، اتخذ بيتروايس مجموعة من التدابير؛ فكان يتفقد الميدان رغم المخاطر، ويمضي بعض الوقت مع الجنود والوحدات العسكرية، بالإضافة إلى توجيهه رسائل مفتوحة إلى مجمل القيادة ليشرح رؤيته، كما كان يصر على أن يطلعه ضباطه يومياً، ليس فقط على سير العمليات القتالية والتعامل مع العدو، بل أيضاً على التقدم المحرز في توفير الخدمات للعراقيين، سواء تعلق الأمر بالكهرباء أو بالنشاط الاقتصادي. غير أن "ماكيرمان"، الضابط السامي في الجيش الأميركي، لم يكن قادراً على صياغة استراتيجية لمحاربة التمرد في أفغانستان وإقناع ضباطه بتنفيذها، وهو ما يتوقع من القائد الجديد لقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال "ماكريستال" النجاح في إنجازه بعدما أمضى الفترة بين عامي 2003 و2008 على رأس القيادة المشتركة للقوات الخاصة المسؤولة عن قوات النخبة وعملياتها ضد العناصر الإرهابية، كما أن بقاءه لفترة طويلة على رأس القوات الخاصة في المرحلة الحرجة التي تلت هجمات 11 سبتمبر، تُدلل على كفاءته وقدراته الكبيرة. وقد تميز بشكل خاص في العراق عندما جمع بين العمل الاستخباري والعمليات القتالية لاستهداف عناصر بارزة في تنظيم "القاعدة" جعلته ينال العديد منهم، كان أبرزهم الزرقاوي. وأكثر من ذلك، يبدو أن "ماكريستال" فهم منذ البداية ما فشل "ماكيرمان" في إدراكه، وهو استحالة إدارة الحرب في أفغانستان برجل واحد لتظهر الحاجة جلية لاستنساخ النموذج العراقي في أفغانستان بأن يتولى جنرال بأربع نجوم مهام التخطيط الاستراتيجي، فيما يُعهد لجنرال آخر بثلاث نجوم بمهمة الإشراف اليومي على سير المعارك. وفيما شغل هذا الدور في العراق الجنرال "رايموند أوديرنو"، امتنع الجنرال "ماكيرمان" عن تعيين نائب له في أفغانستان، ويُتوقع اليوم أن يتولى الجنرال "رودريجيز" دور المشرف على العمليات القتالية بتوجيه من القائد الجديد للقوات الأميركية في أفغانستان. وحتى لا يفوتنا أن مكافحة التمرد هي جهد عسكري بقدر ما هي جهد سياسي، فقد تم في نفس اليوم الذي نُصب فيه الجنرال "ماكريستال"، تعيين السفير الجديد للولايات المتحدة لدى أفغانستان "كارل إيكنبوري"، الجنرال المتقاعد والقائد السابق في أفغانستان، ليتولى تنسيق الجزء المدني من المجهود الحربي تماماً كما يقوم به "رايان كروكر" في العراق. ومقارنة بالعراق، يمكن القول إن مهمة القيادة الثلاثية، ماكريستال-رودريجز- إيكنبوري، ستكون أسهل بالنظر إلى نسب العنف المنخفضة في أفغانستان، لا سيما أن عدد الضحايا المدنيين أقل بـ16 مرة مقارنة بالعراق في عام 2006، ناهيك عن قوة عناصر "القاعدة" وجيش المهدي إذا ما قورنت بالتمرد في أفغانستان. لكن من جهة أخرى لا يملك التمرد الأفغاني مركزاً على غرار التمرد العراقي، ما يصعب التعامل معه بسبب توزعه على مجمل التراب الأفغاني وانتشاره في القرى والمناطق النائية. وإلى ذلك، يمكن إضافة تعقيد آخر يواجه المجهود العسكري الأميركي في أفغانستان، يتمثل في تعدد القيادات العسكرية التي لا تقتصر على الولايات المتحدة، حيث تشارك قوات "الناتو"، فضلاً عن المنظمات الأخرى. وإذا كان من المفيد للولايات المتحدة الاعتماد على حلفائها في أفغانستان، يبقى التنسيق بين القوى المختلفة شاقاً في بعض الأحيان. لكن مع ذلك يبقى فريق أوباما الذي اختاره لإدارة الحرب في أفغانستان الأفضل والأكثر قدرة على تغيير نتائجها وتحقيق أهدافها، لا سيما أنه ستكون وراءه شخصيات بارزة تدعم جهوده، مثل "ريتشارد هولبروك" في وزارة الخارجية، والجنرال "دوج دوج" من مجلس الأمن القومي، ثم بيتراويس نفسه في القيادة المركزية والأدميرال "جيمس ستافريديس" من حلف شمال الأطلسي... لذا أجدني أكثر تفاؤلاً اليوم بشأن ما سيؤول إليه الوضع في أفغانستان مما كنت عليه قبل أيام قليلة فقط. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"