تعيش جماعة "الإخوان المسلمين" منذ سنوات عدّة على الأقل حالة تتباين فيها مواقف فروع "الجماعة"، وتتباين فيها المواقف داخل الفرع الواحد إلى المدى الذي يثير تساؤلات حول حقيقة وحدة تلك "الجماعة" وانسجامها فكريّاً وسياسيّاً، ويبدو الموقف مرشحاً للتعمق. وأعداء "بعض" الإخوان هم حلفاء البعض الآخر منهم، كما أنّ العلاقة بين "الوطني" و"الأممي الإسلامي"، تبدو مشوشة أكثر من أي وقتٍ مضى، ويأتي الموقف من إيران و"حزب الله" سبباً إضافيّاً للتشوش. وعلى صعيد "التحالفات" فإنّ الحالتين الفلسطينية والعراقية مثالان على تباينات فروع الجماعة. ففي العراق انخرط "الحزب الإسلامي"، أي الفرع "الإخواني" العراقي في عمليّة تغيير النظام السابق وفي النظام السياسي لمرحلة ما بعد الحرب، بينما وقفت فروع "الإخوان" غير العراقية ضد الحرب وضد تغيير النظام. وفي الجانب الفلسطيني تتحالف حركة "حماس" مع النظام السوري على رغم العداء التاريخي الدموي بين دمشق و"الإخوان"، ورغم أنّ عقوبة الانضمام لـ"الإخوان" في سوريا تصل الإعدام. ويؤكد الخلاف الراهن بين جناحين في الجماعة في الأردن أبعاد الارتباك بين "الوطني" و"الأممي"؛ فقد تم في السنوات الأخيرة إخراج حركة "حماس" من تحت جناح "الإخوان المسلمين" الأردنيين، وأصبح هناك تنظيمان منفصلان، وهذا الانفصال تم بنوع من الاتفاق الداخلي، ولكن كثيرا من "إخوان" الأردن خصوصاً المقيمين خارجه أصبحت لديهم عضوية مزدوجة، فقد حافظوا على عضويتهم في الجماعتين، وهو ما أدى إلى خلافات داخل أقطاب الجماعة في الأردن، لا تخلو من حسابات توازنات القوة بين الأجنحة. وعلى الصعيد الفكري الأيديولوجي، من المعروف أنّ "الإخوان" بعد مشاركة عناصر منهم في حرب 1948 في فلسطين، تأخروا كثيراً عن الالتحاق بركب الكفاح المسلح الفلسطيني، مما كان سبباً رئيساً في تأسيس حركة "فتح" نهاية الخمسينيات من شباب ملّوا دعوة الجماعة للمساهمة في نشاط مسلح ضد إسرائيل، واستمر موقف الجماعة على ذلك حتى نهاية الثمانينيات، عندما نشأت "حماس". ويرى كثير من أنصار الجماعة عدم جواز النظر إلى القضية الفلسطينية على أنّها أولويّة، بل هي جزء من مشروع "أممي" أعم وأهم. وفي لقائه مع "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي أجاب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل، عن هذه الإشكاليّة برأي يتعارض مع هذا الرأي ولا يضع مشروع "حماس" في إطار مشروع أيديولوجي أشمل. بل إنّ مواقف "حماس" الجديدة تعبّر عن قبول ضمني لمبدأ التسوية في فلسطين، وهو ما عبّرت عنه على سبيل المثال مقالة محمود الزهّار في "واشنطن بوست"، في شهر إبريل 2008، بعنوان "لا سلام دون حماس"، ومقابلة مشعل سالفة الذكر، وقوله "أعد الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي بأننا سنكون جزءاً من الحل"، وهذه مواقف جديدة تنسف خطاب "الإخوان المسلمين" الشعبوي الذي كان شعار رفض التسوية والمفاوضات والحل السياسي المؤقت والدائم محوراً أساسيّاً فيه لكسب التأييد الشعبي. وفي الموضوع الإيراني يبدو الموقف "الإخواني" مرتبكاً بشكل متزايد، فبينما "تتحالف" حماس مع إيران، وبينما يدافع مرشد عام "الإخوان" في مصر، مهدي عاكف، عن "العلاقة" مع إيران، فإنّ "بعض" الإخوان في مناسبات أخرى يرفضون هذا الموقف، مثل مطالبة "إخوان" أعضاء في البرلمان الأردني في عام 2007، حكومة بلادهم بإعادة النظر في العلاقة مع إيران احتجاجاً على ما رأوه طائفية بعض حلفاء طهران في العراق. ومثل تبني نواب "الإخوان" في البرلمان المصري موقفًا رافضاً من خليّة "حزب الله" في مصر مؤخراً، بعكس موقف عاكف. وهذه التباينات توضح ارتباك العلاقة بين فروع الجماعة، وانعدام المشروع الأممي الجامع، وحالة ارتباك سياسي وأيديولوجي، إضافة إلى حالة تناقض بين الشعارات الأيديولوجية المعلنة وبين المواقف السياسية، وتناقض الحسابات القطريّة والتنظيمية مع الشعارات الأممية.