يمكن للإنسان أن يكون نزيل المصحات العقلية، أو سجين ثقافة لا يبرحها، وكلنا سجناء أوهام تزيد وتنقص. والطريقة الوحيدة للتخلص منها تصور وجودها، ثم الاحتكاك بثقافات متباينة، والتعرض لجدل عقلي حاد، فهذه هي المخارج الثلاثة لسجناء الثقافة. وأتذكر أنني اجتمعت بمهندس في مدينة مونتريال الكندية ذات يوم شديد البرودة، فكانت المفاهيم أشد برودة، تكاد تقترب من درجة كالفن القصوى، وهي الدرجة التي ما بعدها برودة، حيث تتوقف حركة الجزيئات. وكذلك تتجمد المفاهيم عند هذه الحواف الحدية. كان الحديث يدور حول التشريع والعدالة، وأن الشريعة هي ذلك القانون الذي يستهدف العدل بالدرجة الأولى في أي صورة جاء، ومنها مفاهيم مزلزلة لا يستطيع نزلاء سجون الثقافة مبارحتها، حتى يصدمون ببعض الوقائع؛ فلا يستطيعون تبين وجه العدل فيها. ومن أعظم هذه المفاهيم قاطبة إمكانية تنزيل النصوص منازل جديدة. وأذكر من تراثنا جرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووعيه في إدراك روح النصوص وتعطيل بعضها، كما في تعطيل حد السرقة بزوال مبرراتها، أو إيقاف توزيع مال الصدقات لكسب قلوب الناس للدعوة، أو حتى توزيع أراضي سواد العراق. لكن المشكلة الحيوية هي كما أذكر، أن من كان قريب العهد بالأحداث ينتبه لآلية عملها، ولا يهمه التوقف عند النصوص والشكليات، بل المضي بخفة وسرعة إلى روح التشريعات. والمسيح عليه السلام يختلف عن بقية الأنبياء في كونه بعث إلى وسط تقليدي شديد التدين، لكنه كان غارقاً في الشكليات، لذا نلاحظ في الأناجيل الأربعة أن المسيح كان في مواجهة ثلاث طوائف تحديداً: الكتبة والفريسيون والصدوقيون. وأعترف في البدء، أني شخصياً، وبعد أن عكفت على قراءة العهدين، الجديد والقديم، ورؤيا يوحنا اللاهوتي ورسائل بولس، لم يتبين لي تماماً الفرق بين المجموعات الثلاث. وفي تقديري أن الكتبة هم الطقوسيون والحرفيون، وأقربهم في عصرنا الحالي هم طوائف المتشددين الذين يدعون بالهلاك على تسعة أعشار الجنس البشري. ويبقى الفريسيون والصدوقيون، وهم الأقرب لجماعة المخابرات والملحدين حالياً. مع ذلك ليست المشكلة هنا؛ فالتشريع الذي جاء بالعدل يقول إن العدل كم قابل للزيادة، ومعنى هذا أن إمكانية تعطيل أحكام بفعل حركة التاريخ واردة، لأنه يأتي ما هو خير منها، وهذا هو منطق القرآن بالضبط أنه ما ينسخ من آية إلا ويأت بخير منها، أو على الأقل مثلها بشكل وحركة مختلفين. وحين ننظر إلى نص "ملك اليمين" في سورة "المؤمنون" نرى أنه نص نسخه الواقع والتاريخ، وحين ناقشت المهندس في مونتريال قال: على رسلك هذا غير ممكن؟ قلت له: وكيف؟ قال حالياً يوجد ضرب من العبودية أشد من السابق! قلت له: لكن ألا تلاحظ أن البشر لا يباعون في السوق مثل البهائم، ولا يستطيع أن يتملك رجل فتاة فيحكم في موتها وحياتها، وأن القصاص يتكلم عن الحر بالحر والعبد بالعبد؟ قال سيأتي وقت ينقلب فيه الزمن ويرجع نظام الرق من جديد، فنشتري النساء مثل الدجاج والأرانب من السوق المحلي! لا أدري ما الذي جعلني أتذكر قصة المعتوه الذي سئل عن الجسر لماذا صنع؟ فأجاب: حتى يمر النهر من تحته! قلت له: كل هذا من أجل وضع عكازات لنص لم يعد في الواقع ما يطابقه؟ ارتعب وتردد في الإجابة، لكن حيرته ازدادت! لقد قرأت في موسوعة عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، أن الباشا العثماني، وبإيعاز خفي من بريطانيا، أرسل إلى شريف مكة كي يلغي الرق، ويغلق سوق النخاسة والعبدان، فتحركت مظاهرة ضخمة من الأشراف والأعيان والعلماء ضده، لأنه يهدد الشريعة الإسلامية ويعطلها! هنا أدركت أنه بإمكان الثقافة أن تصبح سلطة لها من القوة والثقل ما يفوق نجماً نترونياً، ومن الفعالية ما هو أكثر من الإيمان الديني الصافي والمبرئ من دخن الأسطورة!