كل الدلائل تُشير إلى أن العاصفة الحالية المدمرة التي اجتاحت العالم منذ الثلث الأخير من سنة 2008 هي الآن في آخر توابعها، وأن مركز إعصارها قد مر، وإن لم يكن قد تلاشى تماماً، وطبعاً هذه الفترة الانتقالية ستأخذ كل عام 2009. وكذلك فإن آثار هذا الإعصار لا تزال مستمرة وإن بشكل أقل حدة مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. ومما يدل على هذا تحسن مؤشرات أسواق الأسهم، وزيادة ثقة المستهلكين، وزيادة الرغبة في المخاطر، وبدء عملية الإقراض بين البنوك بصورة أكبر مما حدث في الربع الأخير من العام الماضي والربع الأول من هذا العام. وعلى رغم تلك الدلائل يصر زعماء العالم ومحافظو البنوك المركزية على التأكيد بأن الأزمة لا زالت في شبابها الثاني، وأن المفاجآت يمكن أن تحدث وتؤجل عملية انطلاق عجلة الاقتصاد الدولي كما هو متوقع، ومثال على ذلك أزمة إنفلونزا الخنازير، التي ضربت اقتصادات في أميركا الشمالية والوسطى.. دليلينا على هذا: رئيس المكسيك الذي طالب الجميع بمن فيهم الموظفون والعمال غير الضروريين بأن يبقوا في منازلهم لمدة خمسة أيام، وذلك يعني خسائر بالملايين من الدولارات غير مجدْولة ولا متوقعة على الإطلاق. وفي عالمنا العربي عموماً والخليجي خصوصاً، الأزمة لم تكن بالحدة التي مرت على الدول المتقدمة، وهذا من الجوانب الإيجابية لأن تكون من ضمن دول العالم الثالث! لكن الأمر لم يخلُ من سلبيات كثيرة عانى منها الاقتصاد العربي والخليجي بين فترة وأخرى، ولا يمكن الجزم كذلك بأن الأعاصير الاقتصادية المتوقعة منها والضعيفة لن تمر بنا في الوقت القريب مرة أخرى، فهذا أمرٌ في عِلم الغيب ثم في أيدي صُناع وهادمي الاقتصاد العالمي! كيف يمكن أن نتفادى في المستقبل "تسونامي" اقتصادي كالذي مر بالعالم منذ تسعة أشهر مضت؟ الحقيقة ألا وصفة اقتصادية ولقاحاً ضد الأمراض المالية، ففي أيامنا هذه يمكن أن تأتي الأزمات من الخارج وبقوة، بحيث لا نستطيع فعل شيء تجاهها، لأن صناعة الاقتصاد الكوني ليست لدينا أولا.. وإن كنا نملك بعض أهم محركاتها، كما أن التحكم في سرعة إبطاء الاقتصاد أمرٌ بالغ التعقيد حتى على أكبر الاقتصاديين في العالم، ومن ثم يدفع البقية في كل القارات أثمان أخطاء واجتهادات وسوء نية الآخرين المتنفذين، والذين لا يملكون عند بداية الانهيارات الاقتصادية سوى الاعتذار للجمهور المتضرر، والقول إن تقديراتهم قد خانها الصواب! لهذا فإن على بلدان إقليمنا أن تقلل من المخاطر الاقتصادية العالمية ما أمكن هذا. ويمكن -مثلا- تعلم درس أن التوسع في الائتمان مخاطرة جمة في المحصلة النهائية حتى وإن مرت بنا أيام تقافزت فيها الأسعار المغالى فيها (بقصد) إلى درجات خيالية وغير معقولة؛ وهذه الطفرات ستعود بالوبال على المُقرضين والمقترضين، وتسود حالة من الانكماش والتراجعات بنفس الارتفاع غير المبرر السابق. صحيح أن هناك قلة قليلة سيخرجون من مولد المدن الاقتصادية الكبرى بالغنيمة والحمص، وإنما الأمة في مجملها وشرايين اقتصاداتها ستصابان بالتجلط، وستكلف أدوية المذيبات أموالا كثيرة وجهداً عظيماً، واضطرابات اجتماعية غير محدودة، وكماً كبيراً من الاجتماعات والتبريرات وجمل النفي والإنكار والسعي لإيجاد حلول من هنا أو هناك، وقد تكون بعض الحلول مسكنات لأمراضٍ اقتصادية أخطر وأفدح في قادم الأيام. والحال أن الرجوع إلى الواقعية الاقتصادية وإعادة تقويم مرحلة الإسراف السابق في إقراض مناشط الاقتصاد غير المنتج، والشفافية في الكشف عن حجم التعثرات المالية وملابسات الخسائر وتراجع النمو، كل ذلك من متمّمات صحة ما بعد العاصفة. وإضافة إلى هذا فإن تقديم الأولويات مهم جداً في تقليل خسائر المصائب الاقتصادية، فلو كان لدينا مشروعان لابد من إنجازهما في أيام البحبوحة، واحد منهما مشروع محطة تحلية المياه المالحة، والآخر ملعب ضخم لإقامة مباريات كرة القدم وأنشطة بعض ألعاب القوى، فإن من الحكمة الابتداء أولا بمحطة تحلية المياه، وإقامة مصانع لقطع غيار آلاتها، مع الأخذ في الاعتبار -بعد ذلك- لحاجات الأمة في الرياضة وقضاء وقت الفراغ. إن الرغبة العارمة التي تصيب منطقتنا عند ارتفاع أسعار البترول كل عقدٍ أو عقدين في إقامة مشاريع ضخمة وفي وقت واحد بدون وضع سُلم للأولويات، وتناسي أن سلعتنا الرئيسية المبيعة في الأسواق العالمية يسري عليها قانون العرض والطلب ورغبة العالم في التقليل من فاتورة شرائها، كل هذا سيؤدي من وقت لآخر إلى الصدمة الاقتصادية والتساؤل الأحق: أين مكمن الخطأ؟ وكيف نُرضي الشارع وننقذ في الوقت نفسه ميزانياتنا من العجز والاقتراض؟ وتبقى سياسة الحد من المصروفات غير الضرورية والترشيد في الإنفاق من أفضل سُبل حكمة ما بعد وما قبل العواصف الاقتصادية؛ إن الرشاد -كل الرشاد- توقع سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ولن ينفع تجاه ذلك إلا الزراعة والحصاد، وترك البعض في السنابل إلا قليلا مما يوازن بين الركود والتضخم والانتعاش الحقيقي والفقاعات الاقتصادية، وإن حدث النقيض -لا سمح الله- فستأتي تبعات العواصف التي تأكل ما قدمتم لهن إلا قليلا مما يحصن.. العقلاء!