منذ مجيء إدارة أوباما وتطبيق استراتيجيته في الانفتاح على خصوم واشنطن ونحن ننتظر بلورة تلك السياسة المغايرة لسياسة الرئيس السابق بوش. وبعد أن وصل الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض شرع في تطبيق تلك السياسة، فانفتح على إيران، واجتمع مع الرئيس الفنزويلي شافيز، وخفف القيود على كوبا، ويسعى الآن لاحتواء كوريا الشمالية أيضاً. واللافت بين واشنطن وطهران خاصة هو تحول الانفتاح الأميركي إلى نوع من الغزل الخافت بسياسة ما زالت تتلمس طريقها وبرسائل متفاوتة، وأحياناً متناقضة. وقد أرسل أوباما أول مؤشر للتقارب عندما وجه رسالة إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد "النيروز". كما خاطب إيران باسمها الرسمي "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، في سابقة هي الأولى لرئيس أميركي. وكان الرد الإيراني بارداً ومقتصراً على قول: "نحكم على الأفعال وليس الأقوال". وعلى رغم دعوة أميركا لإيران للمشاركة في مؤتمر دولي لمناقشة السياسة الأميركية في أفغانستان الشهر الماضي، إلا أن المنظّر الأول في النظام الإيراني رفسنجاني عبّر عن خيبة أمله معلقاً بأنه لا يرى كبير فرق بين سياسة بوش وأوباما حتى اليوم، وخاصة بعدما جدد أوباما العقوبات الأميركية على إيران، مع تصاعد التهديد في الكونجرس الأميركي بفرض المزيد من العقوبات الأميركية الأحادية على الشركات الأوروبية التي تزود إيران بالوقود. كما أن وزارة الخارجية الأميركية وصفت في تقريرها السنوي عن الإرهاب إيران بـ"الدولة الأكثر رعاية للإرهاب" في العالم. وأشار التقرير إلى دعم طهران لـ"حزب الله"، و"حماس"، والمتطرفين في العراق، و"طالبان" في أفغانستان. والسؤال الآن: ما هي أسباب القلق العربي من تقارب أميركا وإيران على رغم عدم تبلوره؟ فقد كانت إيران الحاضر في جميع اللقاءات والمؤتمرات التي عُقدت مؤخراً في المنطقة. في القمة التشاورية الخليجية الحادية عشرة، وعلى رغم تأييد القمة للحوار الأميركي- الإيراني، إلا أن أمين عام مجلس التعاون عبدالرحمن العطية طالب بأن "لا يكون التعامل الإيجابي الأميركي مع إيران على حساب المصالح الاستراتيجية الخليجية والعربية"، مؤكداً "الموقف الخليجي الداعم لقيام الحوار وضرورة حل أزمة الملف النووي الإيراني بالحوار الدبلوماسي". كما تطرق العاهل الأردني والرئيس المصري إلى موضوع التقارب الأميركي- الإيراني. وحذر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط من تنامي النفوذ الإيراني، حيث طالب بأن تكون للدول العربية مشاركة في أية ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية، في حال نجاح الحوار الأميركي مع إيران. فيما عُقد في دمشق اجتماع بين الرئيسين السوري والإيراني. وكان هذا الموضوع أيضاً المحور الأبرز الذي ناقشه وعلّق عليه وزير الدفاع الأميركي "جيتس" مع القيادتين في مصر والسعودية. وكان واضحاً أن "جيتس" سعى لطمأنة الهواجس الخليجية والعربية من حدود التقارب الأميركي الإيراني، وأنه لن يكون على حساب حلفاء واشنطن. ولتهدئة المخاوف من أن واشنطن لن تعقد "صفقة كبيرة" مع طهران. حيث نفى "جيتس" وجود صفقة قريبة مع طهران، واصفاً تلك المخاوف بأنها "غير واقعية مطلقاً". كما وعد "جيتس" بأن واشنطن ستبقي حلفاءها على اطلاع بمحاولاتها الدخول في حوار مع إيران، مؤكداً أنه لن يتم إبرام أي اتفاق في السر. وشدد على أن واشنطن "ستبقي أصدقاءها على اطلاع حول ما يحدث حتى لا يفاجأ أحد"، لأن "أهم شيء نفكر فيه هو اتخاذ الإجراءات الضرورية مع شركائنا في المنطقة للحفاظ على أمنهم واستقرارهم". والحال أن هناك الكثير من القلق والريبة الخليجية والعربية المبررة سواء من تنامي وتصاعد دور إيران وتدخلها في الشأن العربي. ويتضاعف ذلك القلق من نهايات ومآل هذا التقارب مع واشنطن الذي سيكتسب المزيد من الزخم في الأشهر القادمة بعد أن ينجلي غبار الانتخابات الرئاسية الإيرانية في يونيو القادم، والتي ستتزامن مع بدء الانسحاب الأميركي العسكري من العراق وزيادة الحاجة لتعاون إيراني في أفغانستان وفي عملية السلام بين العرب وإسرائيل. والراهن أن ما يقلق العرب تحديداً من إيران في هذه اللحظة هو ثلاثة أمور. الأول: تأرجح العلاقة وعدم وضوحها بين طهران وواشنطن، واحتمال التوصل إلى مقايضة أو صفقة كبرى على حساب مصالحنا العربية. الثاني: سعي إيران لزيادة أوراقها بالتدخل في الشؤون العربية، والاستفادة من الضعف والتشرذم العربيين، والعمل على زيادتهما. وقد عبرّ عن تلك الخشية الخليجية والعربية عبدالرحمن العطية وأبو الغيط، بشكل واضح. والثالث: التصعيد والتهديد ولغة الوعيد بين إيران وإسرائيل، خاصة مع مجيء حكومة نتانياهو العنصرية المتطرفة، ما قد يدفع بالمنطقة إلى حرب ومواجهة بعواقب وخيمة. إن علينا كعرب أن نقرأ هذه المتغيرات جميعاً وأبعادها الاستراتيجية ومآلاتها الممكنة، وألا ننتظر حتى تبلور واشنطن وتستكمل طهران استراتيجيتيهما، في ما نبقى نحن نطالب واشنطن بألا تتجاهلنا، ونكيل الانتقادات والتحذيرات لإيران. ولنتذكر أن إدارة أوباما براغماتية وأن الصفقة أمر غير مستبعد، خاصة إذا ما تفاقمت الأوضاع في العراق وأفغانستان وغيرهما من مناطق التوتر التقليدية.