مثل طائر الفينيق الأسطوري، عاد جاكوب زوما وانتفض من رماد الأزمات والفضائح، صاعداً نحو قمة السلطة في بلاده! فوسط أجواء احتفالية، وبحضور 30 زعيماً أجنبياً، اعتلى منصة التتويج وأدى اليمين الدستورية رئيساً لجنوب أفريقيا يوم السبت الماضي، وهو الذي غادر جوار الرئيس قبل أربعة أعوام، مطروداً على وقع فضيحة مدوية، وبدا حينها في حكم المعدوم سياسياً. لكن برلمان جمهورية جنوب أفريقيا، هذه الديمقراطية التي رسخت بناءها المؤسسي وسط محيط حافل بالاستبداد والاضطراب والبؤس... اختار زوما في اقتراع أجراه يوم السادس من مايو الجاري، كرابع رئيس للبلاد منذ انتهاء نظام الآبارتايد. فمن هو زوما؟ وما هي قصص الانبعاث والتجدد في سيرة حياته؟ ولد جاكوب زوما عام 1942 في إقليم ناتال بجنوب أفريقيا، وعاش سنوات طفولته الأولى في ضاحية "ديربان"، حيث كان والده شرطياً ووالدته خدامة لدى البيض، لكن بعد وفاة الوالد عام 1945، غادر إلى مرابع عشيرته من قبيلة الزولو حيث مارس رعي الأبقار ولم يتلق أي تعليم مدرسي. لكن انعطافةً (انبعاثاً) حدثت في حياته وهو في سن السابعة عشرة، حين انضم إلى حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي"، ثم أصبح عضواً في جناحه المسلح عام 1962، حيث اعتقل في العام التالي وحكم عليه بالسجن 10 أعوام في معتقل جزيرة "روبن" رفقة الزعيم التاريخي للحزب نيلسون مانديلا. وفي السجن تعلم القراءة والكتابة، وحين أطلق سراحه عام 1973 اضطرته الملاحقات الأمنية للمغادرة إلى سوازيلاند، ثم إلى موزمبيق عام 1977. وفي ذلك العام أصبح عضواً باللجنة التنفيذية للحزب ونائباً لرئيس ممثليته في موزمبيق، لكنه غادرها عام 1985 اثر اتفاق "نكوماني" الذي أبرمته مع جنوب أفريقيا، فأقام في زامبيا حيث ترأس الجهاز الإعلامي للحزب وساهم في بناء جناحه المسلح. أما بعد اعتراف سلطات الفصل العنصري بحزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" عام 1990، فكان زوما أحد قادة الحزب الأوائل الذين عادوا من المنفى للتفاوض على مرحلة ما بعد الآبارتايد. وفي العام التالي تم انتخابه، بطلب من مانديلا، نائباً لأمين عام الحزب. ولعب دوراً كبيراً في إنهاء الصراع الناشئ بإقليم ناتال بين عرقيتي "خوسا" و"الزولو"، وهما أكبر عرقيتين سوداوين في البلاد، وكان صراعهما ترجمة للمنافسة بين "المؤتمر الوطني الأفريقي" بزعامة مانديلا، المنحدر من "الخوسا"، وبين حزب "إنكاثا فريدوم" المحافظ بقيادة ملك الزولو. وقد أثمرت جهود زوما، وانتخب عام 1994 لمنصب "رئيس الإدارة الوطنية" في الحزب، فأصبح الشخصية الثالثة بعد مانديلا ومبيكي، ثم انتخب نائباً لرئيس الحزب خلال مؤتمره العام في "مافيكنج" عام 1997. واصل زوما صعوده السياسي، فاختاره مبيكي نائباً له في رئاسة الجمهورية عام 1999، على أن يخلفه في حكم البلاد عام 2009. لكن المتاعب والتحديات بدأت تواجهه، خاصة بعد اتهامه بالتزوير وإساءة استخدام السلطة في صفقة أسلحة أبرمتها جنوب أفريقيا مع شركة فرنسية للإلكترونيات العسكرية، قال الادعاء العام الجنوب أفريقي إن زوما لعب دوراً في تمريرها، وأنه تلقى مقابل ذلك 160 ألف يورو كعمولة بين عامي 1995 و2001. ثم تشعبت قضايا ملف الاتهام وتعقدت، ليعلن مبيكي في يونيو 2005 إعفاء زوما من منصبه كنائب للرئيس. وبالطبع كانت تلك ضربة قوية لمكانة زوما الحزبية ولتطلعاته السياسية، لكنه نال تأييد تحالف واسع ضم رابطتي الشباب والنساء في الحزب، والنقابات العمالية، والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي... وهي القوى التي مارست ضغوطاً قوية ومتنوعة، وأصرت على أن الملف القضائي مجرد ملف كيدي دبره مبيكي للتخلص من زوما وتصفيته سياسياً. رغم ذلك ظل زوما نائباً لرئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وحين جرت الانتخابات الداخلية في ديسمبر 2007 استطاع الانتصار مُلحقاً هزيمة نكراء بالرئيس مبيكي الذي اضطر للاستقالة من رئاسة الجمهورية في سبتمبر 2008، عقب الموقف الجديد من الادعاء العام الذي اعتبر أن الدعوى ضد زوما ذات دوافع سياسية، ثم قرر إغلاقها نهائياً في السادس من إبريل المنصرم. وبذلك لم يتخلص زوما فقط من تبعات الفضيحة المالية، أو من مبيكي نفسه بطرده من رئاسة الحزب والجمهورية، بل أيضاً أفلت من اتهامات بالاغتصاب وجهتها له محكمة جوهانسبيرج عام 2006، وكانت تكفي وحدها لإنهاء حياته السياسية! انبعاثات زوما فتحت له الطريق إلى سدة الرئاسة، لاسيما فوزه بزعامة المؤتمر الوطني الأفريقي، والذي أجبر مبيكي على التنحي ليخلفه نائب رئيس الحزب، "مونتلاث" المحسوب على زوما، كرئيس مؤقت للجمهورية. ثم جاءت الانتخابات النيابية في الثاني والعشرين من إبريل المنصرم، لتمنح الحزب فوزاً بنسبة الثلثين، فيما يعتبر تصويتاً شعبياً على رئاسة زوما الذي اختاره البرلمان رئيساً للجمهورية يوم السادس من مايو الجاري. ويعد الرئيس الجنوب أفريقي الجديد شخصية ذات شعبية هائلة، خاصة بين فقراء البلاد الذين يشكلون الأغلبية الساحقة، وكذلك النقابات العمالية واليسار. وهو قريب من عامة الناس، في سلوكه وأفكاره، لاسيما آراؤه في الدين والحياة العائلية. فهو مثلا يؤيد تعدد الزوجات، وقد تزوج بنساء كثيرات، بينهن وزيرة الخارجية الحالية، كما أنجب 18 ابناً. ومن آرائه المثيرة ما يتعلق بفيروس الإيدز الذي يشكل أحد التهديدات الخطيرة لجنوب أفريقيا. فخلال محاكمته بتهمة الاغتصاب ضد امرأة يعلم أنها مصابة بالفيروس، قال إنه أخذ حماماً بعد ذلك لتقليل خطر الإصابة، وهو التصريح الذي كان موضع سخرية من الأطباء والمختصين. ويعرف عن زوما أيضاً ولعه بالرقص الشعبي، وقد أدى رقصة طويلة بمناسبة فوزه برئاسة المؤتمر الوطني، ثم عند إغلاق ملفه القضائي. لكنه هذه المرة، في حفل تنصيبه رئيساً للجمهورية، لم يفعل ذلك؛ فالتحديات التي تواجهها بلاده كبيرة، ومنها تداعيات الانقسام الداخلي الذي عصف بالحزب، وانتشار الفقر والجريمة ومرض الإيدز الذي يقتل ألف شخص يومياً، فضلا عن انكماش اقتصادها، وهو الاقتصاد الأكبر في أفريقيا، لأول مرة منذ انتهاء الآبارتايد. لكن مناضل الزولو وصاحب الهوى اليساري، وهو في دورة انبعاث أخرى، يعد في خطاب تنصيبه بتحقيق أحلام جميع مواطنيه! محمد ولد المنى