بعد مرور ما يقارب العشرين عاماً على عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية التي دشنت في مؤتمر مدريد مطلع تسعينيات القرن الماضي، تبلور الوعي السياسي العربي على نحو واضح في رفض الاستمرار في هذه العملية المخادعة الممطوطة بلا نهاية. يتبين هذا الوعي العربي الجماعي في نتائج اللقاء الذي جمع يوم الثلاثاء الماضي بين الزعيمين العربيين: ملك الأردن والرئيس المصري . كان الاجتماع مفصلياً فالملك عائد من زيارته إلى البيت الأبيض بعد أن حمل رسالة عربية موحدة، والرئيس المصري يستعد للقيام بزيارة إلى واشنطن، والرئيس الإسرائيلي يقوم في واشنطن بمهمة تسويق نتانياهو المتطرف في هجوم مضاد على الحملة العربية السياسية. فقد قال بيريز في خطابه أمام "ايباك" إنه يثق في أن نتايناهو يضع إقامة سلام في المنطقة على رأس أولوياته، وأنه يرغب في صناعة تاريخ جديد، وأن ثقافة إسرائيل تؤمن بأن السلام يصنع التاريخ. لقد كان من الضروري أن يصدر عن اجتماع الزعيمين العربيين بيان واضح - كما يحدث بالفعل - على لسان وزيري الخارجية المصري والأردني. جاءت الرسالة واضحة حيث سمعنا صراحة عبارة أن القمة المصرية- الأردنية أكدت "أننا لسنا في حاجة إلى عملية سلام مطولة أو مسيرة جديدة للسلام، وإنما مفاوضات جادة ومباشرة تهدف إلى إقامة الدولة الفلسطينية والحل الشامل والعادل لكل قضايا المنطقة". السؤال الحرج المطروح مع هذا الوعي العربي الواضح ومع الاهتمام الأميركي الجديد بإنجاز التسوية - هو سؤال يتعلق بقدرة المناورة الإسرائيلية التي تسمح لنتانياهو بتجنب الصدام مع أوباما والعرب المعتدلين من ناحية وتتيح له فرصة جديدة لإطالة عملية السلام تحت تسمية جديدة ترضي العرب والأميركيين وتمنحهم أملا زائفاً. يمكننا أن نلاحظ تطور أدوات المناورة الإسرائيلية، فلقد بدأ نتانياهو بمقولة "السلام الاقتصادي" والإجراءات الأمنية كبديل للسلام السياسي وعندما شعر بالرفض العربي والأميركي لهذا الطرح الذي يعني تسويق الحل السياسي إلى حين الانتهاء من تحسين الأوضاع الاقتصادية للشعب الفلسطيني تحول إلى القول إنه يشترط لبدء المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين أن يقوموا بالاعتراف بيهودية دولة اسرائيل، وعندما أجاب الأميركيون بأنهم يرفضون اعتبار هذا الاعتراف شرطاً لبدء المفاوضات السياسية، انتقل نتانياهو إلى حيز جديد للمناورة قائلا إنه مستعد لبدء التفاوض على شرط ألا تنتهي المفاوضات قبل اعتراف الفلسطينيين المطلوب، والذي يعني تنازلهم عن حق العودة للاجئين والاستعداد لقبول انتقال عرب 1948 إلى الضفة الغربية. وعندما أعلن العرب رفضهم لهذا الطرح انتقل نتانياهو يوم الاثنين الماضي إلى مساحة مناورة جديدة، فقد أعلن في خطابه المتلفز (بالفيديو كونفرس) أمام لجنة "إيباك" أنه يدعو إلى مدخل جديد من أجل التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين يتضمن استئنافاً فورياً للمفاوضات من دون شروط. لقد لاحظ المراقبون أن نتانياهو لم يشر من قريب أو بعيد إلى "حل الدولتين" الوارد في "خريطة الطريق" والمتفق عليه في تفاهمات أنابوليس وهي ملاحظة تؤكد أن الهدف من هذه الدعوة هو المناورة وتفريغ الضغوط المتوقعة من جانب ادارة أوباما خلال الزيارة التي سيقوم بها نتانياهو في الثامن عشر من الشهر الحالي إلى واشنطن. لحسن الحظ أن ردود الفعل العربية لا تتأخر في هذه المرحلة، فلقد جاء رد الزعيمين المصري والأردني المذكور عاجلا وتلاه إعلانان من جانب السلطة الفلسطينية جاء الأول على لسان رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع، الذي وضع لأول مرة شرطاً للتفاوض وهو وقف الاستيطان وتوقف تهويد القدس، وجاء الثاني من جانب صائب عريقات كبير المفاوضين، الذي قال لوكالة "فرانس برس": "هل يقصد نتانياهو بدعوته مفاوضات سياسية جادة أم مفاوضات على السلام؟... نحن نريد مفاوضات سياسية من النقطة التي انتهت إليها مع نهاية عام 2008 بين الرئيس عباس وأولمرت" وتساءل عريقات: "هل توافق حكومة نتانياهو على التفاوض على قضايا الوضع النهائي كافة بما فيها القدس واللاجئون والحدود والاستيطان وهل تلتزم لخطة خريطة الطريق". هذه الأصداء لابد أن تكون قد وصلت إلى البيت الأبيض والخارجية الأميركية، وهي ستتأكد أثناء اللقاء المباشر بين مبارك وأوباما، ولابد هنا من القول بأن السياسة العربية تتحرك بهمة ملحوظة يجب أن نشهد بها لتطويق تطرف حكومة نتانياهو وقطع الطريق على مناورة عملية السلام المطولة.