هل صحيح أن على الناس أن يتحدوا ويقفوا صفاً واحداً في وجه المأساة ما أن تحل؟ وهل صحيح أن على المرء أن يلتفت إلى جيرانه ويحاول مد يد العون لهم، ما أن تحل كارثة تهدد أمن المجتمع المحيط بالفرد؟ ذلك هو بالضبط ما اعتقده الكثيرون قبل انتشار الهستيريا العامة من وباء إنفلونزا الخنازير. ولكن الذي حدث في الأسبوع الماضي، هو اقتراب مسؤولي الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، من الإعلان عن شيء يتناقض تماماً مع هذا الحدس الاجتماعي -في سياق استعدادهم لمواجهة ما يعتقدون أنه سوف يكون الأسوأ على الإطلاق-: إن كنت تريد البقاء حياً... فعليك بالابتعاد التام عن الآخرين. وربما كنت مفرطاً في حساسيتي الشخصية نوعاً ما، غير أنه تكرر إحراجي مرات عديدة من قبل البعض الذين يبدون استياء واضحاً من أي اقتراب منهم، سواء كان مقصوداً أم خلاف ذلك. بل هناك من يقولها لك في وجهك صراحة: "ابتعد عني". أرجو ألا يفهم قصدي، فأنا من أشد الناس حساسية وحرصاً على صحة وسلامة الآخرين. وقد اعتدت دائماً على أن ألزم بيتي متى ما أصبت بمرض أدرك أنه يعدي الآخرين. كما أعي جيداً أهمية تفادي العطس في وجوه الآخرين..فماذا لو كنت مصاباً بإنفلونزا الخنازير أو غيرها؟ على أني -رغم وعيي بكل ذلك- وجدت صعوبة كبيرة في تفهم الأسباب التي دفعت كلا من الأرجنتين وكوبا والبيرو إلى حظر طيران مواطنيها من وإلى المكسيك، على إثر انتشار وباء إنفلونزا الخنازير في الأخيرة. بهذه المناسبة، كيف لنا أن نترجم المثل الشعبي القائل "الصديق وقت الضيق" إلى اللغة الإسبانية؟ فبعد كل المواعظ والحكم اليومية التي نتلقاها من رجال الدين والناشطين الاجتماعيين والعاملين في مجال العمل الخيري، بل والساسة أيضاً، حول أهمية الحفاظ على التماسك الاجتماعي والتعاضد بين أفراد المجتمع، فإن من غير اللائق بنا -وبما ظلت تحدثنا عنه أمهاتنا كثيراً منذ الصغر- أن نقلب نواميس الحياة، ونتنكر لكل القيم الجماعية التي نشأنا عليها، فنبدأ بث رسالة قيمية جديدة، فحواها أن الابتعاد عن الآخرين هو السبيل الأمثل لنجاتنا من هلاك الفيروس! غير أن هذا التحذير القاطع من الاقتراب من الآخرين، يبقى خاطئاً حتى في مضمونه الأشمل والأعم، المتجاوز لسلامة الأفراد وبقائهم. ففي الوقت الذي كان يحدثنا فيه نائب الرئيس "جو بايدن" عن خطر احتمال خروج الفيروس عن السيطرة، ارتفعت تحذيرات منظمة الصحة العالمية من أن إغلاق حدودنا مع المكسيك لن يساعد في وقف انتشار الفيروس وانتقاله إلى الولايات المتحدة الأميركية فحسب، بل ربما يؤدي إلى انهيار اقتصادي، سوف يتسبب هو الآخر في رفع عدد القتلى الذين يحصدهم الفيروس. فانتشار وباء فتاك في بلد ما، لا يمنع بقية الدول من سد حاجتها إلى السلع والبضائع، واستمرار عمليات التبادل التجاري، التي يجب ألا تتأثر بالأوضاع الصحية والوبائية للدول. ثم إن كل هذا لا يعني عدم الاعتراف بحقيقة أن من بين أحد أنجع سبل تفادي انتشار الفيروسات والأوبئة، هو الابتعاد من الأماكن التي تتجمع فيها أعداد كبيرة من الناس. لكن وما أن دعا "جو بايدن" نائب الرئيس، إلى تفادي الرحلات الجوية التجارية، وكذلك عدم التنقل بواسطة قطارات المترو، حتى هب مستشاروه للدفاع عن صناعة الطيران والنقل البري الحديدي، وذلك برد الأمور والحقائق إلى نصابها الصحيح. وأعلم شخصياً تفادي إحداهن لاستخدام المصعد العام في بنايتها السكنية المكتظة بالطلاب. وفيما لو اشتد انتشار الوباء بين الأميركيين، فربما يطلب منا رسمياً البقاء على بعد ستة أقدام من بعضنا البعض في الأماكن العامة. حول هذا أشارت تقارير ونشرات إخبارية جديدة إلى تبني كل واحدة من الولايات خطة طوارئ خاصة بها لمواجهة خطر انتشار الوباء، وأودعت تلك الخطط في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية. الملاحظ أن جميع تلك الخطط على اختلافها حوت عبارة مهذبة مشتركة هي "استراتيجيات الابتعاد الاجتماعي". يذكر أن هذه "الاستراتيجيات" قد طبقت سلفاً في مكسيكو سيتي. ذلك أن وسط المدينة قد أخلي تماماً، بينما أغلقت المدارس والكنائس والمسارح ودور السينما. وفوق ذلك لم يعد المكسيكيون يقبّلون بعضهم بعضاً مثلما اعتادوا عند تبادلهم للتحايا. وكل هذه الإجراءات الاحترازية مفهومة وضرورية لحماية الأفراد من الإصابة وتبادل عدوى الإنفلونزا فيما بينهم على المدى القصير. ولكن خوفي أن يستمر الملايين منهم بعد سنوات من زوال الكابوس، على الجفاء الذي تعلموه في أيام محنة الوباء، فيكفّوا عن إلقاء التحية على بعضهم البعض بتلك الطريقة الأليفة الحميمة التي نشأوا عليها. وربما تكون تلك هي لحظة الانعطاف الشعوري الثقافي، الذي يفقد فيه أهلنا في الجنوب دفء عواطفهم وحرارة استقبالهم لبعضهم البعض، فيكتسبون بدلا منها بعضاً من برودة وجفاء جيرانهم في الشمال. ولن يقف الأمر حينها على جانب اللطف الاجتماعي فحسب، بل إن من شأن انعدام الثقة بين الأفراد -الناشئة عن الأثر السلبي للوباء- أن تترك آثاراً مشابهة على الثقافة الاجتماعية بمجملها على المدى البعيد. ويجب عليّ القول ختاماً إن كل كارثة تخلف لنا وراءها بعضاً من دروس الحياة. فقد دفعتني هجمات 11 سبتمبر إلى تجديد عزمي على ألا أسكن في مدينة بها أي من المباني أو المنشآت الرمزية الكبيرة التي تمثل هدفاً محتملا للإرهابيين. كما تعلمنا من كارثة إعصار "كاترينا" حقيقة تفاوت درجة الاستجابة للكوارث التي تحل بمجتمعاتنا. واليوم يعلمنا وباء إنفلونزا الخنازير شيئاً مما قال به الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر "الآخرون هم الجحيم". وهذا مما لم يخطر على بالي يوماً، ولن يقره قلبي مطلقاً. جريجوري رودريجز مدير برنامج زمالة كاليفورنيا في New America Foundation ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"