في مارس الماضي انتخب حزب "المنظمة الوطنية المتحدة للملايو" الحاكم في ماليزيا، الأمير نجيب رزاق زعيماً جديداً له خلفا لعبدالله أحمد بدوي، الأمر الذي نُظر إليه كمقدمة للإتيان به كزعيم للبلاد، أو كسادس رئيس حكومة لماليزيا منذ قيامها في عام 1957 من بعد تنكو عبدالرحمن و تنكو عبدالرزاق وتون حسين عون (الأخيران هما والد وعم الزعيم الجديد على التوالي وحكما ماليزيا ما بين عام 1970 وعام 1981 الذي تنازل فيه تون حسين عون عن الزعامة لصالح مهاتير محمد). وقد صدقت تلك التوقعات، ففي الثاني من أبريل كان عبدالله أحمد بدوي قد استقال من منصبه، وكان نجيب رزاق يقسم اليمين الدستورية خلفاً له، محققاً بذلك حلماً لطالما راوده. إذ يذكر مراقبو السياسة الماليزية أن الرجل كان في جميع محطات حياته دائم التطلع إلى المنصب الأعلى في الدولة انطلاقاً من رؤيته بأنه هو الأصلح للقيادة والأكثر امتلاكاً لمواهبها. ومنذ لحظة القسم المشار إليها، لم تنقطع التساؤلات عما يمكن للزعيم الجديد أن يفعله لمواجهة التحديات التي تواجه بلاده في ظل الأزمة المالية العالمية من جهة، وتضييق انقسام عرقي وديني آخذ في الاتساع من جهة أخرى. وبعبارة أخرى ماذا يمكن لرزاق القادم من أسرة سياسية عريقة، ومن خلفية علمية وتجارب عملية واسعة أن تضيف إلى ما بناه أسلافه في ماليزيا من نهضة وريادة في عدد من الحقول، مع ترك حقبة مهاتير محمد جانباً بسبب ظروفها الخاصة، وخصوصية الرؤى التنموية التي انطلق منها الرجل، قبل أن يتحول من زعيم محنك وشخصية فذة إلى منظر إيديولوجي مصطف مع كاسترو كوبا وشافيز فنزويلا في معاداة حلفائه الغربيين السابقين. هذا الانقلاب الذي لم يكشف بعد عن أسبابه، ولا يزال يحيط به الكثير من الأسرار. سنحاول فيما يلي استعراض أهم الملفات التي تشكل تحدياً لنجيب رزاق، مع التنبؤ بطريقة تعامله معها استناداً إلى ما هو معروف من خبراته وعلاقاته، ومع الأخذ في الاعتبار صعوبة مهمته لأنه يتعامل هنا مع نظام حزبي محافظ يقاوم التغيير: مما لاشك فيه أن ماليزيا التي ظلت عقوداً طويلة نموذجاً للتعايش والتآلف ما بين مكوناتها العرقية، صارت في السنوات القليلة الماضية بؤرة لتوترات صامتة ما بين إثنية الملايو الغالبة من جهة والأقليات الإثنية الصينية والهندية والسريلانكية والتايلاندية من جهة أخرى، ومما زاد الطين بلة اصطفاف رموز الحزب الحاكم على الدوام إلى جانب الإثنية الغالبة سواء لجهة الحقوق والمطالب أو لجهة المشاريع والامتيازات. وهكذا، فإن أول ما سينتظر من الأمير رزاق هو إلغاء سياسات الحزب الحاكم التمييزية بهدف إسباغ صورة جديدة عليه أمام جماهير الشباب والناخبين المنتمين إلى الأقليات العرقية. فمثل هذه الخطوة قد تكون كفيلة بإعادة وإحياء شعبية تمتع بها الحزب الحاكم طويلا قبل أن تتراجع تدريجياً، وذلك بدليل نتائج الانتخابات العامة، التي جرت في مارس الماضي، والتي خسر فيها الحزب أغلبية ثلثي مقاعد البرلمان، إضافة إلى وقوع خمس ولايات اتحادية من أصل ثلاث عشرة في أيدي أحزاب المعارضة، وبينها أحزاب إسلامية راديكالية. ومن الإجراءات الأخرى التي يقال إن رزاق قد قام بها فعلا في الأسبوع الأول من ولايته، إلغاء تشريع كان يفرض على المستثمر الأجنبي أن يجد لنفسه شريكاً من إثنية الملايو تحديداً، ناهيك عن قيامه ببادرة حسن نية تجاه مواطنيه من غير أبناء الملايو، وذلك بإطلاقه سراح اثنين من زعماء المعارضة المتشددين من الأقلية الهندية. وإذا كان هذا هو التحدي الأول أمام الزعيم الماليزي الجديد، فإن التحدي الآخر، هو إصلاح الاقتصاد وإعادة العافية إليه سريعاً عبر التخلص من الاعتماد على الصناعات ذات العوائد المنخفضة، وعبر الاعتماد بصورة أكبر على قطاع الخدمات، وعبر إعادة تنظيم قطاعات الصحة والسياحة والأعمال والتكنولوجيا، وعبر السماح للأجانب بتملك 70 بالمئة من الحصص في شركات التأمين المحلية بدلا من نسبة 49 بالمئة السابقة وبتأسيس المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية العاملة وفق ضوابط الشريعة. وفي شأن الإصلاح الاقتصادي، فإن للرجل من المواهب والخلفيات ما يسهل عليه عمله، خاصة طريقة إنفاق حزمة الأموال المخصصة لمواجهة أزمة الكساد والمقدرة بنحو 16 مليار دولار أميركي. فهو فضلا عن خبرة طويلة نالها من تقلده منصب وزير المال في حكومات مختلفة، حاصل على بكالوريوس الاقتصاد الزراعي من جامعة نوتنجهام البريطانية، وعلى شهادات اقتصادية أخرى من عدد من الجامعات والمؤسسات الخاصة البريطانية والماليزية. التحدي الثالث يتمثل في ما قد تخلقه قوى المعارضة من متاعب، وتحديداً من قبل حزب "العدالة الشعبي" بقيادة نائب رئيس الحكومة الأسبق أنور إبراهيم وحلفائه. وقد بدأ شيء من هذا يطل برأسه. إذ عاد بعض خصومه القدامى والجدد إلى الحديث عن اتهامات وجهت إليه بالفساد حينما كان وزيراً للدفاع في عام 2004، وذلك في إشارة إلى صفقة الغواصات التي أبرمتها كوالالمبور مع باريس وكان صديق الأمير نجيب رزاق المقرب (عبدالرزاق باجيندا) وسيطاً فيها وحصل من خلالها كما قيل على أكثر من 400 مليون رينجيت. كما عاد آخرون للحديث عن حادثة مزعومة تربطه بعملية اغتيال مثيرة للجدل لمترجمة منغولية تدعى "ألتانتويا شاريبو" وقعت خارج كوالالمبور في عام 2006 . وإزاء هذا التحدي وما قد يجلبه من متاعب، ربما يضطر رزاق - المعروف بدفاعه عن الإعلام الحر - إلى تقليص مساحة حرية التعبير والنشر وإنشاء الصفحات الإنترنتية، وهو ما يضر بسمعة ماليزيا أكثر من الإضرار الذي كان ولا يزال يسببه القانون الأمني المستخدم من زمن البريطانيين، والذي يمنح أجهزة الشرطة حق توقيف وحبس المشتبه بهم في تهديد الأمن الوطني لآجال غير محددة ودون محاكمة. التحدي الرابع يتمثل في تعزيز وترسيخ مظاهر التسامح الديني التي عرفت بها ماليزيا، والتي اهتزت في السنوات الأخيرة كنتيجة لبروز جماعات الإسلام الراديكالي الساعية إلى اضطهاد وإرهاب غير المسلمين، إلى الحد الذي دفعت الكنيسة الكاثوليكية الماليزية من الشكوى من تهديدات تصل أتباعها، فيها تحذير من استخدامهم لكلمة "الله" في صلواتهم على نحو ما اعتادوا عليه منذ القدم، وذلك بدعوى أن هذه الكلمة خاصة بالمسلمين ويجب ألا ترد على لسان غيرهم. وفي حادثة ملفتة للنظر وتشير الى رغبة الزعيم الماليزي الجديد في تصفية حالات الاحتقان الدينية في بلاده - رغم إصراره في أحد تصريحاته السابقة على عدم علمانية الدولة الماليزية، مما تسبب في هيجان الشارع ضده - أصدر وزير العدل مؤخراً قراراً يمنع تحول الأطفال إلى الاسلام الا بموافقة مسبقة من كلا الوالدين، مؤكداً على أن الصغار يجب أن يتبعوا ديانة والديهم وقت الزواج، وإن تحول أحد الوالدين لاحقاً إلى الإسلام. وقد جاء القرار في أعقاب قضية حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وهي قضية "أنديرا غاندي": المرأة الماليزية الهندوسية من الأقلية الهندية، والتي أسلم زوجها بعد سنوات من الارتباط، وأجبر أطفاله منها على الدخول في الإسلام. التحدي الأخير يتمثل في الإشكالات التي قد يخلقها مهاتير محمد في صورة وضع الدواليب في طريق الزعيم الجديد، إن مس نفوذه داخل أروقة الحزب الحاكم أو منع أبنائه من الحصول على حصص مجزية من كعكة المشاريع التنموية.