تخيلوا لو أن مئات الآلاف من الأسلحة النارية بما فيها البنادق الأوتوماتيكية وغيرها تتسرب عبر الحدود المكسيكية لتنتهي في أيدي المجرمين ورجال العصابات في ولايات أميركية مثل أريزونا ونيو مكسيكو وكارولينا الجنوبية، وتتسبب في قتل رجال الأمن والشرطة الأميركيين الذين يحاولون إنفاذ القانون وملاحقة المجرمين، ثم تخيلوا لو أدلى الرئيس المكسيكي بالتصريح التالي: "حسناً، نحن نود فعلًا القيام بشيء حيال هذا الأمر، لكن نظامنا السياسي يجعل ذلك صعباً للغاية"، ألن ينبري منتقدو المكسيك في هذه الحالة إلى مهاجمة النظام السياسي المكسيكي ووصفه بأقذع النعوت مثل الفساد والعجز؟ ويتساءلوا: "لماذا لا تستطيع المكسيك وقف هذا التسيب وانعدام القانون؟". الحقيقة أن من تبنى الموقف الأخير هو أوباما وليس الرئيس المكسيكي بعدما زار الأول العاصمة مكسيكو في الأسبوع الماضي. فقد بات معروفاً السهولة التي تحصل بها العصابات المكسيكية على الأسلحة الأميركية بسبب قوانيننا التنظيمية المفرطة في تسامحها مع حاملي الأسلحة، بل وأكثر من ذلك كان على أوباما الإدلاء بتصريح ملتوٍ واعتذاري خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس "فيليبي كالديرون" جاء فيه "إني ما زلت أعتقد أننا نستطيع احترام الحقوق المنصوص عليها في البند الثاني للدستور، وهو حق الصيادين وأصحاب المنازل الذين يريدون حماية عائلاتهم في الحصول على الأسلحة بطريقة قانونية، وفي الوقت نفسه التعامل مع الأسلحة النارية التي نعرف أنها تساعد هنا في المكسيك على تأجيج العنف، بل حتى في عقر دارنا، لكن لا بد من الإقرار بأن فرض حظر على حمل الأسلحة لن يكون سهلا". وبعبارة أخرى، يستطيع الرئيس الأميركي التعامل مع جميع القضايا المهمة التي تؤرق الرأي العام مثل الأزمة الاقتصادية وغيرها، لكنه عندما يتعلق الأمر بتنظيم حمل الأسلحة، فإنه يقف عاجزاً عن التحرك، بحيث تبدو جماعات الضغط المدافعة عن حمل السلاح أقوى من الرئيس نفسه وأقدر على عرقلة أي مشروع في هذا الاتجاه يطرح على الكونجرس. ومن المؤسف أن يدلي أوباما بمثل ذلك التصريح في المكسيك التي أظهر فيها ضعفه وقلة حيلته قبل أيام قليلة فقط على الذكرى العاشرة لمجزرة مدرسة "هاي كولومباي" بولاية كولورادو، وبعد سلسلة من عمليات القتل الجماعي التي شهدتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة وخلفت أكثر من 57 قتيلاً. ومع أنه لا أحد من الدول الديمقراطية في العالم يملك قوانين خرقاء وغير فعالة لضبط استخدام الأسلحة مثلنا، إلا أن أوباما كان على حق في تصريحه عندما أشار إلى صعوبة إقرار تشريع في الكونجرس يحظر حمل الأسلحة، ويضع حداً لجرائم القتل المتزايدة. ففي مطلع العام الماضي عندما طالب المدعي العام "إيرك هولدر" بتجديد حظر استخدام الأسلحة الأتوماتيكية، معيداً بذلك أحد الوعود المنسية لأوباما خلال حملته الانتخابية، جُوبه برد متوقع من أعضاء مجلس النواب من "الديمقراطيين" الذين رفضوا أي حديث عن موضوع الحظر. الأكثر من ذلك الرسالة التي وجهووها إلى المدعي العام والعبث الذي انطوت عليه، حيث جاء فيها "إن الجماعات التي تدعو إلى مراقبة الأسلحة خدعت على نحو مقصود الأميركيين بدفعهم للاعتقاد أن الأسلحة هي أتوماتيكية بالكامل، والحال أنها لسيت كذلك لأنها تخرج طلقة واحدة كلما ضغط على الزناد"، فهل حُلت المشكلة بهذه المعلومة وشعرنا بأمان أكبر؟ فربما يتعين على هؤلاء النواب "الديمقراطيين" الجلوس إلى "إيد راندل"، حاكم ولاية بنسلفانيا الذي قال "تواجه شرطتنا قوة نارية تفوق إمكاناتها بسبب الانتشار غير المسبوق للأسلحة النارية وأصبح المجرمون أكثر قوة من ذي قبل بسبب تلك الأسلحة"، وأضاف الحاكم أمام المجلس التشريعي للولاية أنهم إذا لم يدعموا الحظر "فمن الأفضل ألا تشاركوا في مراسم دفن ضحايا الأسلحة النارية؛ لأنه سيكون ضرباً من النفاق". لكن لماذا لا نسعى على الأقل إلى سد الثغرات الواضحة في قانون حمل الأسلحة الذي يطلب من البائعين المرخص لهم بالتحقق من خلفية المشترين، في حين يغفل عن معارض بيع السلاح التي تتحول إلى احتفالية كبرى للشراء ومناسبة لكل من يريد اقتناء الأسلحة بصرف النظر عن خلفيته، أو أهدافه؟ وبالطبع يكمن السبب في تخوف المشرعين من جماعات الضغط الموالية لشركات صنع السلاح التي تحرص على إبقاء السوق مشرعة أمام كل من يأتي بالمال، لكن على أوباما أن يفهم شيئاً واحداً أن من أدلى بصوته لصالحه وساهم في وصوله إلى البيت الأبيض لم تكن جماعات الضغط تلك، بل هي بالعكس سعت بكل جهدها لإسقاطه دون أن تتمكن من ذلك. فحسب استطلاع للرأي أجري في العام 2008، حظي أوباما بنسبة أصوات لا تتجاوز 37 في المائة من العائلات التي تملك سلاحاً في البيت، وهي نسبة قريبة جداً من تلك التي حصل عليها جون كيري في العام 2004، حيث لم تتعدَ 26 في المائة، وفي مقابل ذلك حصل أوباما على 65 في المائة من أصوات العائلات التي لا تتوافر على سلاح ناري، فهل سيقف أوباما إلى جانب الناخبين الذين صوتوا له، أم سيولي لهم ظهره؟ إي.جي ديون محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"