داخل المحيط وعلى بعد نحو ثلاثة أميال من الساحل الصخري الذي تتكسر عليه الأمواج بالقرب من خليج هامبولت، بولاية كاليفورنيا، ينتظر أن يقام أول مشروع كبير لاستغلال طاقة المحيط في الولايات المتحدة. وعلى غرار تكنولوجيا الطاقات المتجددة الأخرى، اعتُبرت طاقة البحار والمحيطات، التي تُستخرج من الأمواج أو تيارات المد والجزر أو الرياح التي تهب بانتظام على الساحل، طاقةً واعدة، لكن استغلالها تجارياً ما يزال متعذراً. وهو أمر مازال صحيحاً إلى اليوم، ذلك أن توظيفها على نطاق تجاري غير متوقع قبل سنوات عدة، إلا أن ثمة مؤشرات جديدة على أن طاقة البحار والمحيطات تتقدم اليوم بشكل مضطرد. وإذا ما سار كل شيء على ما يرام، فإن "ويف-كونيكت"، وهو المشروع النموذجي لاستغلال طاقة الأمواج في هامبولت والذي تطوره شركة "بي جي آند إي"، يستطيع بحلول العام المقبل أن يستعمل خمسة أنظمة لاستغلال طاقة الأمواج على نطاق تجاري، يساهم كل واحد منها بـ1 ميجاوات من الطاقة المستخرجة من الأمواج. لكن لما كانت قدرته تعادل أقل من 1 في المئة من قدرة محطة استخراج الطاقة الكهربائية باستعمال الفحم، فإن ذلك المشروع قد يبدو ضئيلا وتافهاً؛ والحال أن الدراسات تُظهر أن طاقة الأمواج يمكن أن تنتج ذات يوم ما يكفي من الطاقة لسد 17 في المئة من احتياجات كاليفورنيا الكهربائية، والمساهمة بشكل مهم في خفض كمية الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري التي تنتجها الولاية. أما على الصعيد الوطني، فتعد إمكانيات طاقة البحار والمحيطات أكبر من ذلك بكثير، على اعتبار أن الأمواج لوحدها تستطيع إنتاج 10 آلاف ميجاوات، أي ما يناهز 6.5 في المئة من الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة. هذا وتستطيع رياح الساحل وطاقة المد والجزر والأمواج تغطية 10 في المئة من احتياجات الكهرباء الأميركية. وقد انتبهت إدارة أوباما إلى إمكانيات هذه الطاقة الواعدة، وبعد سنوات من النقاش المحتدم حول مسألة الاختصاص، عملت اللجنة الفدرالية المنظمة للطاقة ووزارة الداخلية، الشهر الماضي، على توضيح شروط ومتطلبات الترخيص التي كانت سبباً لإبطاء استغلال طاقة البحار والمحيطات لفترة طويلة. وإذا كانت إدارة بوش لم ترصد شيئاً للبحث والتطوير في مجال طاقة البحار والمحيطات بوزارة الطاقة، فإن الوكالة قلبت هذا المسار، حيث تخطط اليوم لمضاعفة التمويل أربع مرات ليصل إلى 40 مليون دولار في السنة المالية المقبلة. وفي حال نجاح المشروع النموذجي لـ"ويف-كونيكت"، فالخبراء يرون أنه بالإمكان توسيع موقع هامبولت، إلى جانب موقع آخر مقابل مقاطعة ميندوسينو إلى الجنوب، ليصل إلى 80 ميجاوات. على أن من شأن النجاح هناك أن يفتح الباب على مصراعيه أمام مشاريع الاستغلال التجاري، ليس بمحاذاة سواحل كاليفورنيا فحسب، بل سيكون دافعاً كذلك إلى جهود مكثفة لتطوير واستغلال طاقة الأمواج على ساحلي الولايات المتحدة. وفي هذا السياق يقول جورج هاجرمان، الباحث المتخصص في طاقة البحار بمعهد فرجينيا للبحوث التكنولوجية المتقدمة: "رغم قلة الدعم، فإن طاقة البحار والمحيطات انتشرت خلال السنوات القليلة الماضية في ظل تجريب عدد متزايد من الشركات لتكنولوجيا جديدة ومختلفة". واليوم، توجد طاقة الأمواج وطاقة المد والجزر في المرحلة نفسها تقريباً التي كانت فيها طاقة الرياح في أوائل عقد الثمانينيات، كما يقول هاجرمان، لكن مع "تطور أكبر بكثير في انتظار رؤية ذلك النجاح التجاري الأول". فحاليا، تقوم أكثر من 50 شركة على الصعيد العالمي و17 شركة في الولايات المتحدة بتطوير النماذج الصناعية الأولى لاستغلال طاقة البحار والمحيطات، حسب دراسة لمعهد بحوث الطاقة الكهربائية. ومنذ الخريف الماضي، وافقت اللجنة الفدرالية المنظمة للطاقة على منح 34 رخصة تتعلق بطاقة المد والجزر و9 بطاقة الأمواج. بعض تلك التراخيص كانت من نصيب شركة يملكها "كريستوفر سووار" التي يوجد مقرها بولاية مين والتي تتوقع أن تستعمل مولداً يستخرج الطاقة من تيار المد والجزر بقناة شرق إيستبورت بولاية مين في وقت لاحق من هذا العام. فبعد اختبار نموذج صناعي أول منذ ديسمبر 2007، يبدو "سووار" مستعداً اليوم لاستعمال سلسلة أكثر قوة بكثير من التوربينات باستخدام رقائق معدنية خاصة من أجل تحويل تيار مائي يعادل ست عقد تقريباً إلى ما لا يقل عن 100 ألف وات. لكن للقيام بذلك، لا بد من سلسلة من التوربينات التي يبلغ عرضها 52 قدماً وعلوها 14 قدماً. وتعليقاً على هذا الموضوع يقول سووار: "إنها بكل تأكيد ليست لعب أطفال". وتستطيع طاقة المد والجزر، مثلما أظهرت جهود "فيردانت باور" في نيويورك، أن توفر للولايات المتحدة ذات يوم نحو 3000 ميجاوات، كما يقول معهد بحوث الطاقة الكهربائية. غير أن المواقع التي تمتاز بتيارات سريعة، تتمتع بطاقة أمواج وطاقة رياح أفضل، أي بإمكانيات كهربائية أكبر. ويقول روجر بيدارد، مدير تكنولوجيا المحيطات في معهد بحوث الطاقة الكهربائية، إن تكنولوجيا طاقة البحار والمحيطات مازالت في بداياتها وفي مرحلة ما قبل الاستغلال التجاري... لكن ما نراه حالياً مع مشروع "ويف -كونيكت" الذي تشرف عليه "بي جي آند إي"، مشروع مهم يمكن أن يكون له تأثير مهم. -------- مارك كلايتون كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"