نشرت "نيويورك تايمز" مقابلة مع شخص وصف بأنه "مسؤول التكتيك اللوجستي" في حركة "طالبان"، تحدث فيها عن رؤية الحركة للحرب في أفغانستان، والأسباب التي تجعلها تعتقد أنها هي من سينتصر في النهاية، بينما تكون الهزيمة من نصيب القوات الأميركية والأطلسية هناك. هذه الرؤية تمثل تحدياً ضمنياً لاستراتيجية "تطوير الديمقراطية" التي تبنتها إدارة بوش، من قبل، وتتبناها إدارة أوباما الحالية، لكنها تبدو كوصفة لـ "حرب طويلة للغاية". وهذه الاستراتيجية، كما وصفها أحد منتقديها الأميركيين، وهو الضابط المتقاعد "دوجلاس ماكجريجور"، في مقال عنوانه "رفض المعركة"، وقد نُشرَ في "مجلة القوات المسلحة الأميركية"... تقوم هذه الاستراتيجية بشكل عام على" نشر الديمقراطية بأسنة الحراب داخل المجتمعات المتخلفة أو الفاشلة، مع تقديم ضمانات أمنية غير واقعية للدول والشعوب ذات الأهمية الاستراتيجية الهامشية للولايات المتحدة". و"رفض المعركة"، حسب تعريف "ماكجريجور"، يعني باختصار شديد: "إحجام قوة ما عن خوض حرب أو معركة تدرك أنها ستخسرها في النهاية". وهذا النوع من المعارك هو ما تخوضه الولايات المتحدة حالياً في أفغانستان، وفيها تترك للعدو تحديد توقيت وموقع المعارك، كما تتيح له خيار الانسحاب والتفرق متى ما رأى ذلك في مصلحته. ومضمون تلك المقابلة بسيط ومقنع في آن، وهو: إنه من المستحيل بالنسبة للولايات المتحدة أو "الناتو" أن يكسبا حرباً في بلد توجد قواعد العدو الذي يحاربانه فيه على الجانب الآخر من حدود مشتركة مع دولة أخرى سهلة الاختراق بالنسبة لـ"طالبان"، و منيعة من الناحية السياسية بالنسبة للقوات الأميركية وقوات "الناتو". يضاف إلى ذلك أن المعارك التي تُخاض هناك هي معارك تنتمي إلى نمط حرب العصابات التقليدية، حيث يقوم مقاتلو "طالبان" بالدخول في معارك ضد قوات نظامية، يمارسون فيها أساليب الكر والفر، وتكون لديهم معلومات شبه كاملة عن تلك القوات، دون أن تكون لتلك القوات معلومات كثيرة عنهم. والتهديد الرئيس لمقاتلي "طالبان" في تلك المعارك يأتي من جانب الطائرات التي تطير دون طيار، لا من جانب القوات الأميركية وقوات "الناتو" المتمركزة في قواعد أرضية، لأن هذه القوات، ببساطة، غير قادرة على الوصول إليهم. والشيء الذي يعوق الولايات المتحدة في حرب أفغانستان حالياً ليس اضطرارها إلى احترام سيادة باكستان على أراضيها واحترام القانون الدولي، بل اضطرارها أيضاً إلى التعامل مع الحقائق العسكرية والسياسية على الأرض. فخفة حركة قوات "طالبان" تتيح لها التحرك إلى أي مكان بل ودخول الأراضي الباكستانية لتجنب الضربات الأرضية، أو التفرق والتوزع على مساحة واسعة -دون احترام للحدود- تجنباً للضربات الجوية. وهناك عائق ثالث هو طبيعة السكان في المنطقة التي تدور فيها المعارك حيث لا يمتلك أحد القدرة على التمييز بين المدنيين البتان والمقاتلين البتان. ورغم أن المسؤول الذي لم يتم الكشف عن اسمه في المقابلة، يعترف بتفوق القوات الأميركية التي ستتم زيادة عددها، فإنه يؤكد في الوقت ذاته "أن الأميركيين لا يستطيعون السيطرة على القرى إلا من خلال القصف الجوي الذي يوقع إصابات فادحة في صفوف المدنيين ويزيد من حجم السخط والغضب الموجه لأميركا". الأميركيون بالطبع يدركون مثل هذه الحقائق، لكنهم ينوون تطبيق استراتيجية جديدة بعد إرسال تعزيزات من القوات إلى هناك. وهذه الاستراتيجية هي عبارة عن نسخة معدلة من استراتيجية الجنرال "ديفيد بترايوس" في العراق، والتي اعتمد فيها على"مجالس الصحوة". لكن نجاح تلك الاستراتيجية سوف يتوقف -كما حدث في العراق- على فرضية "التطور الديمقراطي" الذي سمع عنه العالم الكثير ولم ير سوى القليل، وهي فرضية ترى أن الديمقراطية يمكن تحقيقها من خلال التدخل العسكري، ويرى الكثيرون أنها تمثل وصفة ليس للحرب الطويلة، وإنما لحرب لا نهاية لها. ------- ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"