في ألمانيا هناك قسم في الشرطة لحماية النمل من القتل، ويمكن أن نسمي ذلك بحماية "أمن النمل" وحقه في البقاء حياً من أجل التخلص من حشرة أخرى تعيش في الغابات التي تتساقط جراء اعتداء تلك الحشرة عليها، فكان العلاج في الحفاظ على حياة النمل الخاصة وهو الذي يعتاش على تلك الحشرة قاتلة الغابات. ومعنى ذلك، أن الأمن ذاته مع تطور الحياة البشرية وتعدد متطلباتها قابل للتفرع ومن ثم للتخصيص وهذا هو الطبيعي، حتى يقوم كل بدوره على أفضل وجه. واليوم بعد تشابك خيوط الحياة لدى الناس في مختلف المجتمعات أصبحت الحاجة ملحة إلى وجود جهة أمنية خاصة في أي دولة لحماية الحياة الروحية لسكانها، بغض النظر عن اختلاف الأديان والمعتقدات. ويطرح هذا المطلب نفسه وبإلحاح بعد الأحداث الأخيرة التي وقعت في المغرب من قبل بعض العناصر الإيرانية بدعوى نشر التشيع، والاختراق الآخر لـ"حزب الله" للأمن القومي المصري بذات الدعوى أيضاً، وكل تلك الوقائع وغيرها مما يحدث في الخطوط الأمامية المتداخلة للطائفية في العراق وغيره من البلدان التي تعاني مع سكانها هذا النوع من انعدام «الأمن الروحي» في المجتمع. وبغض النظر عن حجم هذه المشكلة التي بدأت تطل برأسها كلما طرحت مسألة المذهب أو الطائفة أو الدين بشكل عام، أحس البعض بأنه مستهدف بلا سابق إنذار من قبل شريحة لا تعترف أصلا بالأمن الروحي للبشر، فضلا عن الاعتراف بهذه الجزئية التي تمس الحرية الشخصية للإنسان بغض النظر عن أصل المعتقد وتفرعاته لديه أو لدى الآخرين من المخالفين أو المنكرين أو المتفرجين على إهدار خصوصيات البشر. المسؤولية هنا تقع على الدول التي لم تقم بتحديث قوانينها وفقاً لمستجدات الزمن الذي اقتربت فيه مسارات ومسافات الفكر البشري من ناحية التقارب والتجانس ومن ثم التلاقح البعيد عن العنصرية لأسباب شخصية. بالمقابل يصح القول إن الدساتير في بعض نصوصها واضحة فيما يتعلق بحرية الأديان، ولكن الأمر لم يعد مقتصراً على حرية اختيار الدين فهذا أمر مفروغ منه، فالأمر بدا تدريجياً يضيق بالدين الواحد حتى يحتك كل واحد بمذهب محدد أو طريقة معينة أو حتى الانتماء إلى طائفة على حساب كل المحاذير الأمنية المعروفة لدى الجميع. ومن هنا نرى من الأهمية بمكان في هذه المرحلة التي تتجه فيها المجتمعات بصورة أو بأخرى نحو الكونية أو القروية أو العولمة، أن يتم رسم الخطوط الحمراء والدقيقة على هيئة مواد قانونية واضحة المعالم تتم من خلالها المحاسبة الأمنية لكل من يجرؤ على تعريض "الأمن الروحي" لأي إنسان للخطر سواء بالتهديد المباشر نتيجة استخدام "بوق" الفتاوى الدينية الجاهزة وهي أسرع من "الفاست فود" في زماننا، أو بصورة أخرى عابرة للقارات والدول على غرار بعض الحركات أو الأحزاب أو الجماعات التي تصدر قنابل فكرية تهدد بالإجمال الأمن الوطني أو القومي أو الإقليمي للدول التي لها نصيب الأسد في قضايا الدين الحساسة. ومن هنا أهمية إنشاء أجهزة متخصصة في التعامل مع هذا الجانب من الأمن الذي بدأ يستجد بسبب من النزاعات المذهبية والطائفية وحتى السياسية بين الدول التي تستغل الدين لإلهاب المشاعر غير الناضجة للشعوب لحرقها في المجتمعات التي تعيش بطريقة كبريتية قابلة للاشتعال بصورة تفوق الخيال. فالحفاظ على جانب "الأمن الروحي" حق إنساني محض لا ينبغي السماح لأي جهة كانت، أفراداً أو جماعات أو دولا، بالتأثير على الحركة الانسيابية للناس في مجتمعاتهم الآمنة ابتداء. فقضية "الأمن الروحي" اليوم بدأت تدخل مع موجات التطرف والإرهاب والاختلاف المريع في الجزئيات المفرقة على حساب الكليات الجامعة، والتي باتت تتطلب معاملة أمنية خاصة حتى لا يختلط الحابل بالنابل ولا تتحول الأفكار إلى قنابل.