بعد مرور ست سنوات وشهر واحد و11 يوماً على غزو العراق، أعلنت بريطانيا رسمياً، يوم الخميس الماضي، وقف العمليات الحربية. وفي البصرة، حيث مقر القوات البريطانية، عزف البوق عزفاً منفرداً مع المناداة باسم كل واحد من 179 عسكرياً بريطانياً سقطوا قتلى منذ الغزو. لكن من ينادي بأسماء العراقيين الذين قتلوا في الحرب، بل من يعرف عددهم؟ 179 ألفا، أم ربع مليون، أم مليونا وربع المليون؟ لا أحد يعرف، ولا أحد يهمه أن يعرف! وهل يليق ذكر الأموات في احتفال "قصة النجاح" العراقية الذي أقيم بالمناسبة في مقر الحكومة البريطانية "10 داوننج ستريت"؟ افتتح الاحتفال رئيس الوزراء براون بإعلان العراق "بلداً مفتوحاً للبيزنس". وصفق الحضور الذي ضم رئيس وزراء العراق، وعددا من المسؤولين ورجال الأعمال العراقيين والبريطانيين المهتمين بإحصاء الأموال، وليس الأموات. والتفاؤل بالعراق سلعة رائجة استعداداً للانتخابات المقبلة في كلا البلدين. وتساعد على رواج التفاؤل الأزمة المالية المستحكمة التي تدفع البيزنس العالمي إلى البحث عن فرص للاستثمار، ولو في العراق. أضفى هذا طابع الخفة على تصريحات المسؤولين العراقيين والبريطانيين في مؤتمر ومعرض "استثمر في العراق" الذي شاركت فيه نحو مائتي شركة، بينها "شيل" للصناعات النفطية، و"رولز رويس" للسيارات والمحركات، والمؤسسة المصرفية العالمية HSBC. ولا يتوقف التفاؤل أو التشاؤم بالعراق على رؤية نصف كأسه الفارغ أو نصفه الملآن، بل على الذاكرة والنسيان. وهذا سبب اختلاط التفاؤل بالتشاؤم بإعلان رئيس "البنك التجاري العراقي" في مؤتمر لندن أن البلد بحاجة ماسة الآن إلى 400 مليار دولار لبناء هياكل ارتكازية تسد حاجة السكان الحاليين البالغ عددهم 28 مليون نسمة. من يتفاءل بمشاريع بلد ما يزال يفتقر إلى الهياكل الارتكازية الأولية، والتي يدعو لتمويلها رئيس "البنك التجاري العراقي" الذي تأسس بعد ثلاثة أشهر من الاحتلال عام 2003؟ وماذا فعلت عقود إعمار العراق التي نالتها قبل الغزو كبريات شركات الطاقة والمقاولات الأميركية، ومليارات الدولارات التي أعلنت تخصيصها للغرض نفسه نحو عشرة مؤتمرات للدول الصناعية؟ يقول المثل الساخر "في البيزنس يتوقف حاصل جمع اثنين واثنين على ما إذا كنت تبيع أو تشتري"! والله يعلم كيف سيتدبر العراق في ظروف انخفاض أسعار النفط نحو ثلثي قائمة المشتريات التي أعلنها رئيس البنك التجاري العراقي. تتضمن القائمة محطات طاقة، وشبكات مياه، وطرقا، وسكك حديد، ومصانع أسمدة، ومخازن غلال. حجم الطاقة الكهربائية التي يحتاجها البلد يبلغ 25 ميجاواط، لا ينتج منها حالياً سوى ستة ميجاواطات، والحاجة ماسة لبناء سبعة آلاف مدرسة لاحتواء الطلبة الحاليين فقط. وحتى إذا صح اعتبار العراق مفتوحاً للبيزنس، فمن يخوضه سوى الشجعان، والذين يتحلون بقدرة غير اعتيادية تصل حد التهور؟ ذكر ذلك "برونون مادوكس" معلق صحيفة "التايمز" اللندنية. واستبعد "مادوكس" حصول ذلك في ظل الأوضاع الأمنية الحالية، والتلكؤ بإصدار التشريعات والقوانين الخاصة بالاستثمارات الأجنبية، وعدم قيام توافق بين الشيعة والسنة والأكراد. ويشكك المعلق البريطاني الذي حضر مؤتمر لندن بتوجه حكومة المالكي نحو تقديم ما يسميها "التنازلات الضرورية" للمستثمرين. فـ"الحكومة التي يقودها الشيعة ما تزال تمانع في تقديم تنازلات مهمة للسنة والأكراد، وفشلت خلال ثلاث سنوات في تمرير قانون النفط المهم الذي يحقق مشاركة أقاليم البلاد بالموارد". ومن دون الإعلان عن ذلك بشكل واضح، لن ينأى المستثمرون وحدهم، "بل سيواصل السنة والأكراد القتال، ولن يستطيع العراق حتى الادعاء بأنه بلد مستقر". وقد زادت الغموض تصريحات متناقضة للمسؤولين العراقيين المشاركين في مؤتمر لندن. وزير المعادن صرح بأن قانون النفط قد ينجز في سبتمبر القادم، في حين استبعد مسؤولون آخرون التصديق على القانون قبل عام 2010. وحاول وزير النفط طمأنة الحضور إلى أن أي عقود تعتمد على قانون النفط سيصادق عليها مجلس الوزراء وبشكل مسبق. وشكك بذلك مدراء شركات نفط حاضرون، وذكر أحدهم أنه "لا يحتاج إلى أن يكون قانونياً لمعرفة مخالفة ذلك للدستور". والمسألة المقلقة للمسؤولين ورجال الأعمال البريطانيين ليس ما إذا كان العراق أصبح بالفعل بلداً مفتوحاً للبيزنس العالمي، بل حصة بريطانيا من ذلك. وعند النظر إلى الأوضاع الاقتصادية لبريطانيا يتذكر المراقب قول الشاعر وليام شكسبير "العالم مسرح، حيث لكل شخص دور عليه أن يلعبه، ودوري فيه بائس". وهل هناك أكثر بؤساً من مقايضة غزاة محتلين على ثروات ضحاياهم؟ التعلل في هذا الصدد بـ"القاعدة" والإرهاب حجة ضد المتعللين بهما. ففي السياسة يتحمل المسؤول عواقب قبوله تولي المسؤولية، وقد شارك المسؤولون البريطانيون والعراقيون بتحمل المسؤولية منذ الاحتلال عام 2003، ويتحمل بعضهم مسؤولية المشاركة في التمهيد للاحتلال منذ تسعينيات القرن الماضي. وكما يقول الحكيم الروماني "سينيكا" فإن "كل واحد يستطيع أن ينهي حياة إنسان، لكن لا أحد يمكن أن ينهي موته الذي يفتح آلاف الأبواب". من يغلق أبواباً فتحها موت مئات الآلاف من العراقيين الذين قتلوا خلال الأعوام الماضية؟ آخر من يستطيع أن يفعل ذلك سياسيون لم يعرفوا ما يفعلون بالعراق، ولن يعرفوا ما فعلوه فيه. الحديث عن القوانين والتشريعات الذي يرد على لسان المعنيين بشؤون العراق، يعبر في الحقيقة عن مخاوف أكبر من المعدل اليومي للمفخخات، إنها المخاوف من أوضاع مفخخة بشتى الاحتمالات. ألقى أضواء على جوانب خفية من ذلك تقرير على الصفحة الأولى لصحيفة "الجارديان" اللندنية يوم وصول المالكي لندن. الاستنتاج الرئيسي للتقرير الذي بعثه مراسل الصحيفة في بغداد، يلخصه عنوانه التالي: "هذه علامات قيام دكتاتور"! وقد يثير "دهشة المراقبين غير العارفين بتاريخ العراق أن يروا بعد مرور ست سنوات على الإطاحة بدكتاتور، وموت مئات الآلاف من العراقيين، والعنف الوحشي للمسلحين، وهدر تريليونات الدولارات، وقتل أكثر من أربعة آلاف عسكري أميركي... وإذا بالبلد يُبنى وفق الخطوط المألوفة نفسها: تركيز السلطة، والمخابرات المبهمة، والفساد". طقوس ومراسيم التحركات العامة لرئيس الوزراء، تحيطه مواكب أجهزة الأمن والصحافة والتلفزيون، والاحتفالات العشائرية المقامة له، والهتافات بحياته، واليافطات التي تحييه، وتعيين الأقارب والأنصار في أجهزة المخابرات التي قد يبلغ عددها التسعة حالياً... كل ذلك يعني، حسب مراقبة سياسية عراقية في بيروت، أن "صدام حسين لم يمت"! قد يثير هذا الرأي، كأي شأن عراقي، اعتراضات كثيرة وحادة. فهناك من يربأ بالمالكي أن يُقارَن بصدام حسين، وهناك العكس، من يربأ بصدام حسين أن يُقارن بالمالكي. ولعل وضع العراق يبرهن في نهاية المطاف على صحة قول الفيلسوف الألماني ماركس: "التاريخ قد يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة ثانية على شكل مأساة هزلية"!