ينطوي تاريخ العلاقة بين الثقافة الغربيّة والماركسيّة على فصول عدّة متفاوتة. فالماركسيّة، في الأصل، إحدى بنات تلك الثقافة. إلاّ أن انتصار الحزب الشيوعيّ -البلشفيّ في روسيا عام 1917 وما ترتّب عليه من نظام توتاليتاريّ، خلق أولى الأزمات بين الطرفين. فمن جهة، عملت روسَنَة الماركسيّة على إبعادها عن جذرها الأوروبيّ، وهو ما يمكن قراءته في أعمال ماركسيّين إصلاحيّين، بل أيضاً ماركسيّين ثوريّين كروزا لوكسمبورج. ومن جهة ثانية، بدأ السعي الليبراليّ الأوروبيّ إلى اكتشاف جذور الماركسيّة في التقليد الاستبداديّ داخل الفكر الغربيّ نفسه. بعد ذاك، وما بين أواسط الثلاثينيات وأواسط الخمسينيات، أي ما بين قيام "الجبهات الشعبيّة" وسحق ثورة هنغاريا، مروراً بالصراع ضدّ الفاشيّة والحرب العالميّة الثانية، سجّل المناخ الثقافيّ، لاسيّما في فرنسا، تقاطعاً عريضاً بين البيئتين الشيوعيّة والثقافيّة. ولربّما حمل اسم جان بول سارتر التلخيص الأبرز لهذا اللقاح الذي عزّزه عداء الطرفين للكولونياليّة الغربيّة كما للولايات المتّحدة. بيد أنّه، وقبل أواسط الخمسينيات، مع اتّضاح الطبيعة الستالينيّة وانقشاعها كونيّاً، تململت الحياة الفكريّة والثقافيّة في الغرب على إيقاع سجاليّ لا يمكن من دونه فهم الحقبة اللاحقة البادئة أواسط الخمسينيات. والحال أن العداء للشيوعيّة قديم قدم الشيوعيّة ذاتها، وهو متعدّد الأسباب والحوافز. وحتّى إبّان الحرب العالميّة الثانية والتحالف الغربيّ مع موسكو ضدّ النازيّة، لم تفتر مناهضة الشيوعيّة التي تشكّلت على الدوام في كتلة عديمة التجانس تمتدّ من أقصى اليسار التروتسكيّ إلى أقصى اليمين الفاشيّ، فضلاً عن المؤمنين وأشباه المؤمنين. وعدم التجانس هذا كان ما يسهّل على المساجلين الشيوعيّين مهمّتهم. وقد عرفت، على مدى ثلاثين عاماً، بلدان كفرنسا وبريطانيا مثقّفين محافظين لم يتغيّر كرههم للشيوعيّة. ففيهما، كما في إيطاليا، لعب كتّاب وأدباء كاثوليك دوراً بارزاً في السجالات المناهضة لها، بينهم إيفلين واف وجراهام جرين اللذان مثّلا التقليديّة الكاثوليكيّة البريطانيّة. لكن بينما كانت الوجهة هنا تتّخذ شكل التصدّي للحداثة أو الانكفاء عنها، فإن فرنسيّاً كاثوليكيّاً كفرانسوا مورياك لم يتردّد في أن يدخل المعترك السياسيّ بصورة مباشرة. وهو، على مدى تورّطه المديد في الشأن العام لما بعد الحرب الثانية (كتب باستمرار لـ"الفيجارو" اليوميّة الفرنسيّة)، حافظ على حججه المكفّنة باللغة الأخلاقيّة جامعاً بين شديد عدائه للشيوعيّة وبين قدر لا بأس به من العداء الأخلاقويّ لـ"القيم الغريبّة" التي يضخّها المجتمع الأميركيّ. وككثير من المحافظين الأوروبيّين، لم يكن مورياك مرتاحاً للتحالف مع واشنطن إبّان الحرب الباردة. لكنّ هذا لم يطرح أيّة مشكلة على الليبراليّين الواقعيّين كالفرنسيّ ريمون أرون: فالأخير، مثل كثيرين من "الحرب بارديّين"، كانت عواطفه حيال الولايات المتّحدة في نموذجها واقتصادها، أقرب إلى النقديّة. غير أن أرون فهم الحقيقة المركزيّة للسياسة الأوروبيّة بعد الحرب، وهي تداخل صراعات الداخل والخارج: فقد كتب، مثلاً، صيف 1947: "بالنسبة للأفراد كما للأمم في أزمنتنا، فإن الخيار الذي يقرّر كلّ ما عداه خيار كونيّ، وهو في الحقيقة خيار جغرافيّ. فإما أن يكون المرء في نطاق البلدان الحرّة وإلا ففي أراض فُرض عليها الوقوع تحت الحكم السوفييتيّ الفظّ. ومن الآن فصاعداً، على كلّ واحد في فرنسا أن يحسم خياره"، أو كما طرح المشكلة في صياغة أخرى: "إنه ليس أبداً صراعاً بين الخير والشرّ، لكنّه بين المفضّل والمُقرف". هكذا كان المثقّفون الليبراليّون وغير الدينيّين، بصنفيهما القاريّ، كأرون ولويجي إيناودي، أو البريطانيّ كأشعيا برلين، أشدّ شعوراً بالارتياح من سائر المحافظين حيال التحالف مع أميركا بوصفه فرضاً من التاريخ عليهم. والأمر نفسه، ولو في سياق مغاير، يصحّ في الاشتراكيّين الديمقراطيّين: وهذا ما كان يعود جزئيّاً إلى أنّ روزفلت كان لا يزال طريّاً في الذاكرة، كما أن الكثير من الدبلوماسيّين وصنّاع القرار الأميركيّين الذين تعامل معهم الأوروبيّون، كانوا من أنصار "النيو ديل" الذين أيّدوا قيام الدولة بدور نشط في السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لكن ذلك نجم أيضاً عن السياسات الأميركيّة ذاتها. فالنقابات والمخابرات والخارجيّة الأميركيّة، سواء بسواء، رأت في الأحزاب العماليّة والاشتراكيّة الديموقراطيّة المستندة إلى النقابات، أفضل عازل في وجه النموّ الشيوعيّ، خصوصاً في فرنسا وبلجيكا. أمّا في إيطاليا فاختلفت الخريطة السياسيّة إذ راهن الأميركان على المسيحيّين الديمقراطيّين. وحتّى أواسط 1947 ظلّ التعويل على اليسار غير الشيوعيّ موضوعاً إشكاليّاً. لكنْ بعد طرد الأحزاب الشيوعيّة من حكومات فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، وخصوصاً بعد الانقلاب الشيوعيّ على الديمقراطيّة في تشيكوسلوفاكيا في فبراير 1948، اكتمل انفصال شيوعيّي أوروبا واشتراكييها، وحصلت صدامات عنفيّة بين نقابيّي الطرفين كما بين شيوعيّين مضربين وشرطة يأمرهم وزراء اشتراكيّون، فيما كانت تنتشر في الغرب أخبار أوروبا الشرقيّة عن اشتراكيّين يتعرّضون للاعتقال. وهذا جميعاً ما حوّل الاشتراكيّين الديمقراطيّين في أوروبا الغربيّة إلى بعض ألدّ أعداء الاتّحاد السوفييتيّ، وجعلهم على استعداد لتلقّي كلّ معونة ممكنة من الولايات المتّحدة. يصحّ هذا في قادة اشتراكيّين كليون بلوم في فرنسا وكورت شوماخر في ألمانيا. على أن الجيل الأصغر الذي عاش التحالف مع الشيوعيّين في سنوات المقاومة وجد المسألة أصعب: فألبير كامو الذي انضمّ لفترة قصيرة في الجزائر، إبّان الثلاثينيات، إلى الحزب الشيوعيّ، خرج من الحرب الثانية بقناعة صلبة شاركه إيّاها أبناء جيله عن ضرورة الإبقاء على ائتلاف المقاومة الذي يضمّ الشيوعيّين والاشتراكيّين والإصلاحيّة الراديكاليّة من كلّ نوع. وقد كتب في عام 1944 من الجزائر أن "مناهضة الشيوعيّة هي بداية ديكتاتوريّة". بيد أن الشكوك بدأت تساور كامو مع المحاكمات والتصفيات في فرنسا بعد الحرب، حينما اتّخذ الحزب الشيوعيّ موقفاً متصلّباً، بوصفه حزب المقاومة، وطالب بالعزل والسجن وعقوبة الموت لآلاف المتعاونين الحقيقيّين أو المتوهَّمين. وتعاظمت شكوك كامو تدريجيّاً بحسن نوايا حلفائه السياسيّين، حتّى إذا أصدر روايته "الطاعون" في 1949 ترك لبطله تارّو أن يعلن: "لقد قررت أن أرفض كلّ شيء يجعل الناس، مباشرة أو مداورة، يموتون أو يبرّر للآخرين الذين يجعلونهم يموتون". وعلى أيّ حال ظلّ كامو متردّداً في إعلان خلافه مع أصدقائه في اليسار، محاولاً أن يوازن بين النقد النزيه للستالينيّة وإشاراته المتوازنة و"الموضوعيّة" للعنصريّة الأميركية والجرائم الأخرى التي تُرتكب في المعسكر الرأسماليّ. لكن المحاكمات المسرحيّة في أوروبا الشرقيّة وامتداداتها في فرنسا، أنهت ذلك. وقد اعترف في ملاحظاته الشخصيّة قائلاً: "مما ندمت عليه أنني تنازلت كثيراً للموضوعيّة (...) أبداً لن أكون مهذّباً مرّة أخرى". قبل ذلك، وفي عام 1947، تحدث إيجناتزيو سيلون في مؤتمر لجماعة "القلم" الدولية عن "كرامة الذكاء وعدم أهليّة المثقّفين"، فأعلن ندمه على صمته وصمت رفاقه من مثقّفي اليسار: "لقد وضعنا على الرفّ، كما توضع الدبّابات في المخازن، مبادئ الحريّة للجميع والكرامة الإنسانيّة". ومثل سيلون الذي مضى في هذا الطريق، مضى كامو مطوّراً موقفه النقديّ من الأوهام "التقدميّة"، وهو ما تتوّج في إدانته العنف الثوريّ في مقالة شهيرة له عام 1951 تأدت عنها قطيعته مع رفاقه في اليسار الباريسيّ. فعند سارتر، أن الواجب الأوّل للمثقّف الراديكاليّ ألاّ يخون العمّال، أما الشيء الأهمّ عند كامو، كما عند سيلون، فهو ألاّ يخون نفسه. هكذا ارتسمت بالكامل خطوط جبهة الحرب الباردة الثقافيّة.