تحرص الأمم والمجتمعات الحيّة على الحفاظ على تراثها بأنواعه كلها، لأنه مكوّن أساسيّ من مكوّنات هويتها وملمح رئيسيّ من ملامح شخصيتها وخصوصيتها في ظل طغيان العولمة ومظاهر الحياة الحديثة. في هذا السياق تأتي أهمية "مشروع توثيق التراث الإماراتي وتصويره وأرشفته" بأسلوب علميّ من أجل ضمّه إلى التراث العالميّ، الذي تتبنّاه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع "منظمة اليونسكو" التابعة لـ "الأمم المتحدة". إن هذا المشروع من شأنه أن يبقي تراث الآباء والأجداد حاضراً لدى الأبناء والأحفاد، وبالتالي يربط الأجيال الإماراتية المتعاقبة بتاريخها ويعمّق اعتزازها بنفسها ووطنها وخصوصياتها الثقافية والحضارية، فضلا عن أنه يحفظ هذا التراث من الضياع ويبقيه حيّاً للأجيال القادمة. إن إهمال التراث وعدم تدوينه وتسجيله وحفظه والتشجيع على تعرفه وممارسة طقوسه، أمور تؤدي مع الوقت إلى اندثاره بشكل تدريجي، وبالتالي تصبح الأمم والشعوب منقطعة الصلة عن تاريخها، ما يجعلها عرضة لأيّ اختراقات ثقافية أو حضارية تأتي من هنا أو هناك. لذلك تُبدي دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة اهتماماً خاصاً بالتراث وتعمل على إحيائه في المناسبات المختلفة وتقيم له المهرجانات والمسابقات حتى يظلّ جزءاً من حياة الإماراتيين، لا يتخلّون عنه مهما زحفت طقوس العصرنة ومظاهرها على حياتهم اليومية. وتلعب مؤسّسات التعليم بمراحلها المختلفة ووسائل الإعلام وغيرها من الجهات المعنيّة، دوراً ملحوظاً في هذا الشأن من خلال استحضار التراث الإماراتي الأصيل والعمل على تكريسه وتعميقه لدى النشء والشباب. ولعل ما يعطي "مشروع توثيق التراث الإماراتي وتصويره وأرشفته" بالتعاون بين وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع و"منظمة اليونسكو"، أهمية خاصة، أنه يأتي في الوقت الذي تهتمّ فيه الدولة بالحفاظ على الهوية الوطنية، التي تمثّل أولوية متقدّمة لدى القيادة في الإمارات، وحمايتها مما تتعرّض له من مشكلات وتشوّهات. وفي هذا الإطار جاء إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله عام 2008 عاماً للهوية، كما جاءت الفعاليات وبرامج العمل الكثيرة التي تمّت وتتمّ على مستويات مختلفة من أجل صيانة هويتنا الوطنية وتأكيدها. مثلما تهتمّ دولة الإمارات بالأخذ بأساليب الحياة العصرية في المجالات كافة، فإنها في الوقت نفسه تحرص على صيانة تراثها وشخصيتها الوطنية وخصوصيتها الثقافية، لأنها تؤمن بأن التقدّم لا يعني الذوبان في العصرنة وفقدان التميّز الحضاري، وأن الحفاظ على التراث والاعتداد به لا يتعارضان مع الانخراط في العالم والأخذ بكل أساليب التقدّم والتطوّر فيه، وأن العولمة لا تعني التخلّي عن الخصوصيات الوطنية، وأن التنوّع يمثّل مصدر إثراء للعالم ودافعاً لمزيد من التفاعل بين أممه ومجتمعاته، وليس مصدراً للتباعد أو الخلاف أو العزلة. دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول، على المستوى الدوليّ، انخراطاً في العالم وانفتاحاً على ثقافاته وعلومه ومظاهر تطوّره على المستويات كافة، وهي في الوقت نفسه تعمل على الحفاظ على تراثها وتوثيقه وحمايته من الضياع، وهذا يجعلها نموذجاً مهمّاً في عدم التعارض بين الانفتاح والحفاظ على الشخصية الوطنية. ـــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.