إذا كانت دعوتي لزيارة شارع المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة بعد تجديده أخيراً تنطلق أساساً من مفهوم الاحتفاء بتاريخ الأمة واستخلاص العبر منه، فاسمحوا لي أن أعبر عن اندهاشي لنفر من القراء يتميزون برؤيتهم الخاصة للتاريخ لم يجدوا ما يعلقون عليه في دعوتي سوى البحث في الخلافات المذهبية بين الدولة العباسية السنية والدولة الفاطمية الشيعية، التي قامت في مصر على مدى قرنين (968-1117م). هذا المنحى الفكري الذي يحول مناسبة حضارية إسلامية عن مجراها الصحيح إلى مسار يستهدف تعميق الفتن هو في واقع الأمر انعكاس لروح التناحر والفتن التي مكنت الصليبيين من إقامة مستعمراتهم في فلسطين وتهديد مصر وسائر الأقطار الإسلامية في ذلك الوقت. إن وجهة نظري في التاريخ المصري مؤسسة على رؤية المدرسة الوطنية في الفكر والثقافة والتاريخ، وهي المدرسة التي تنظر إلى التاريخ من بدايته إلى اللحظة الراهنة باعتبارها كلا واحداً نحن ورثته الطبيعيون ونحن التجسيد الحي لخلاصاته الحضارية والثقافية وأصحاب إرثه بكل تنويعاته. ومن هنا فإنني لا أفرق في نظرتي التاريخية، وفي اهتمامي بالآثار ومظاهر الحضارة بين ملوك الفراعنة أصحاب الأرض المصرية الُأول، وأصحاب فجر التاريخ البشري وصناعه، وبين من تلاهم من ملوك البطالمة اليونانيين، ومن ملوك العرب الأمويين والعباسيين والفاطميين وملوك الأكراد الأيوبيين الذين بدؤوا بالملك الناصر صلاح الدين محرر القدس، ومن ملوك المماليك السلاجقة الذين حملوا لواء الدفاع العسكري عن الاسلام في مواجهة الممالك الصليبية وأطماعها التوسعية بعد نهاية الدولة الأيوبية في مصر. هذه النظرة الكلية للتاريخ الوطني تنعكس في ندائي إلى وزير الثقافة المصري صاحب الفضل في تجديد الشارع الأعظم أو الشارع الرئيسي في القاهرة، بعد دخول الفاطميين إلى مصر قادمين من المغرب. ندائي يستهدف نفخ الروح الحية في هذا المجمع الحضاري للدول الإسلامية التي تتابعت على هذا الشارع، واتخذته مقراً للحكم بشكل كامل أو جزئي وذلك بإحياء المواكب التي كانت تقام عند رؤية هلال رمضان وعند دخول السنة الهجرية الجديدة. وهنا فإن اهتمامي منصب على مفهوم جوهري عندي، إنه مفهوم التراكم التاريخي لدول وعصور الحضارة الإسلامية، إنني أرى أن نراعي في تصميم المواكب التاريخية أن تحمل سمات وملامح الطبقات المختلفة من تاريخ هذا الشارع التي تتمثل في دوله المتتابعة، وهنا لا يكون الإحياء التاريخي والحضاري لدولة بعينها، ولا لعصر بعينه، ولكن للتاريخ كله. ولذا فإنني أقترح أن نصمم عدداً من المواكب التي تسير متتالية يحمل كل منها طابع الدولة التي يمثلها. أعتقد أننا سنجد أنفسنا أمام نوع من الدراما التاريخية الثرية التي ستتفوق في قيمتها على مواكب تُغير الحرس الملكي أمام قصر باكنجهام البريطاني، والذي يخلب لب الزائرين والسائحين. كذلك فإنني أعتقد أن الموكب التراكمي في شارع المعز - والذي أتصور أن ينتهي في ساحة مسجد الحسين باتساعه واطلاله على شارع الأزهر والجامع الأزهر - سيتفوق بحيويته على عروض الصوت والضوء التي نحاول من خلال تقديمها في المعابد الفرعونية، وفي ساحة أهرامات الجيزة إحياءً لصور الحياة الفرعونية في مسرحها الطبيعي. بناء على هذا المفهوم فإنني أقترح على وزير الثقافة المصري أن نستفيد، خاصة في شهر رمضان المقبل، بإحياء الوجدان الثقافي للأمة في عصورها الإسلامية المتنوعة لإعادة شحن أجيالنا الجديدة بتراثها الحضاري وعاداتها وتقاليدها بدلا من قضاء ليالي رمضان في الفنادق والخيم الرمضانية الخالية من المضمون الحضاري. دعونا نتصور المواكب المتتابعة بأزياء الجنود في كل دولة مرت بهذا الشارع وأضافت إلى تراثه العمراني منذ ألف عام مروراً بالدولة العثمانية وأسرة محمد علي وملوكها في العصر الحديث. دعونا نتصور الأثر الفكري والنفسي والحضاري على شبابنا وهم يشاهدون الهوادج المحمولة على الأكتاف والجمال ويرقبون مشاهد الدروع والأسلحة التي ميزت كل عصر ويسمعون صوت الأبواق التي تعلن عن بدء موكب رؤية هلال رمضان ثم يتابعون مقدمة الموكب وفيها الأفيال المكسوة بالأردية المطرزة، ثم الخيول والجمال بأغطيتها المذهبة ويتأملون مناظر الفرسان الذين خرجوا على مر ألف عام في حروب للدفاع عن أقطار الإسلام ضد الصليبيين والتتار. دعونا نصمم الموكب ليعيد إلينا الأناشيد التي كانت تحتفل بقدوم رمضان في هذا المجمع للحضارة الإسلامية ودولها. الأهم في دعوتي لإحياء التاريخ أن نتأمل العبر من روح التمزق والصراعات والفتن سواء بين العباسيين والفاطميين أو سواء داخل الدولة الواحدة. إنها عبر واضحة المعالم، تنادي أصحاب القلم والسياسة أن يضموا صفوف هذه الأمة الإسلامية إن كانوا ممن يعتبرون ويتعظون.