انشق السيناتور "أرلين سبيكتور" عن الحزب الجمهوري للتو لينضم إلى صفوف التشريعيين "الديمقراطيين"، وبذلك يكون قد ارتفع عدد الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس، بينما انخفض عدد الأعضاء الجمهوريين. فماذا يفعل الحزب الجمهوري إزاء هذا الوضع؟ المشكلة ليست في إساءة معاملة أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين لزميلهم "سبيكتور"، كما حاول البعض تفسير انشقاقه، بل هي أكبر من ذلك، ولا صلة لها بما تردد عن ذلك الانشقاق. ففي عام 2004، أنفقت "اللجنة القومية لأعضاء مجلس الشيوخ" مئات آلاف الدولارات، لمساعدة "سبيكتور" على هزيمة محافظ منافس له، في الجولة التمهيدية من الانتخابات. ثم تنازل له زملاؤه من المشرعين في مجلس الشيوخ عن رئاسة اللجنة القضائية، رغم علمهم بآرائه ومواقفه الليبرالية من الإجهاض ومسائل تقع في نطاق اختصاصات اللجنة المذكورة. كما حصل "سبيكتور" خلال الأسابيع القليلة الماضية على موافقة "اللجنة القومية لأعضاء مجلس الشيوخ" على تعيينه في ذلك المنصب، فضلاً عن تلقيه مبلغ 10 آلاف دولار من اللجنة السياسية التي يرأسها القائد الجمهوري "ميتش ماكونيل". وفي ذلك ما يبين إحسان معاملة الجمهوريين لـ"سبيكتور". إذن يبقى تفسير وحيد لخروجه على حزبه، ألا وهو الاستنتاج الذي توصل إليه من تلقاء نفسه، ويرتبط بالصعوبة البالغة التي أدرك "سبيكتور" أنه سيواجهها في انتخابات العام المقبل، التمهيدية والنهائية. وحتى إذا ما تغلب على كلتا العقبتين، فلن يكون في أحسن الأحوال سوى عضو بحزب الأقلية. وعلى نقيض ذلك، فسوف يكون حظه أوفر بكثير بانتقاله إلى الحزب الديمقراطي. يمكن القول إذن إن "سبيكتور" فضّل خدمة مصالحه الذاتية على الوفاء المثالي لحزبه الجمهوري. ومن الطبيعي في المقابل أن يشعر كثير من الجمهوريين بخيانة السيناتور "سبيكتور" لهم. لكن هناك منهم من يشعر بشيء من الشماتة والغبطة لما حدث. ومن هؤلاء قال "رش ليمبو" إن هذا "أمر جيد للغاية في نهاية المطاف.. أعني تخلص الحزب وتنظيف صفوفه من أولئك المتذبذبين الذين يعوقون مسيرة توحيد صفوفه والتحديد القاطع لهويته". الملاحظ على هذا التعليق أن به أصداء من كوميديا "نينوتكا" الشائعة في عام 1939، والتي وردت فيها عبارة "لقد حققت المحاكمات الجماعية الأخيرة نجاحاً باهراً. وبالنتيجة، سوف يقل عدد الروس بسببها، إلا أنهم سيكونون أفضل من أنجبتهم روسيا على الإطلاق". وربما يشعر "الرشبو" بشيء من الارتياح لفكرة وجود عدد أقل من الجمهوريين النوعيين، لكنها تبدو وسيلة في غاية الغرابة طالما أنها ترمي إلى تمكين الحزب الجمهوري من انتزاع الأغلبية في الكونجرس بمجلسيه! والحق أن انتقال "سبيكتور" إلى صفوف الديمقراطيين مؤخراً، يكشف مشكلة عميقة يواجهها الحزب الجمهوري، تتلخص في خروج مساحات شاسعة من البلاد عن نطاق نفوذه. فهناك 12 ولاية من الولايات الواقعة شمالي فرجينيا، إضافة إلى خمس ولايات أخرى متاخمة للمحيط الهادئ، ومن جملة أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 34 سيناتوراً عن هذه الولايات، ليس للحزب الجمهوري سوى 4 منهم فحسب! وليست صورة الجمهوريين في مجلس النواب، أقل قتامة من هذه. فقبل سنوات عديدة، كانت للجمهوريين قبضة قوية على ولاية نيو إنجلاند، واستمر نفوذهم عليها حتى أواخر التسعينيات، لكنهم خسروا آخر مقعد برلماني لهم في الولاية في انتخابات العام الماضي. وبالمثل، كان في وسع الجمهوريين إحراز فوز ساحق في أي وقت في ولاية نيويورك، بيد أن تلك الأيام الذهبية ولت، فقد تراجع نفوذ الجمهوريين فيها، ولم تبق لهم سوى 3 دوائر انتخابية فحسب، من جملة دوائر الولاية البالغ عددها 29. وفي انتخابات خاصة أُجريت مؤخراً، عجز الجمهوريون عن استعادة مقعد ظلوا يحتكرونه لعدة عقود قبل عام 2006. بلغة الأرقام نفسها، فليس للجمهوريين سوى دائرة واحدة من أصل 31 دائرة انتخابية يمثل الأفارقة الأميركيون نسبة 40% من إجمالي سكانها، ثم 7 دوائر من 24 دائرة انتخابية يمثل الناخبون "الهسبانك" نسبة 40% من سكانها. وهناك أزيد من 100 دائرة انتخابية ديمقراطية تقع، إما في أماكن نفوذ الناخبين السود أو "الهيسبانك" أو في ولايتي نيو إنجلاند ونيويورك، وإذا ما تعذر حصول الحزب الجمهوري على أصوات ناخبي هذه الدوائر، فسوف يتعين عليه نيل ثلثي بقية الدوائر الانتخابية الأخرى ليتمكن من إحراز الأغلبية التي يتطلع إليها في مجلس النواب. وبالمثل يتعين عليه، في حال استغنائه عن مقاعد الديمقراطيين في الولايات الشرقية وتلك المتاخمة للمحيط الهادئ غرباً، الفوز بنسبة 71% من بقية المقاعد الأخرى، حتى تكون له الأغلبية في مجلس الشيوخ. ولك أن تتصور مدى الصعوبة التي تواجه الحزب الجمهوري في انتخابات العام المقبل، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار المهارات التي طورها الديمقراطيون في غزو المعاقل الانتخابية التقليدية لخصومهم الجمهوريين! وإذا ما أراد الجمهوريون غزو المعاقل التقليدية للديمقراطيين، فسيتحتم عليهم إطالة أقدامهم لتطأ أراضٍ يبدو فيها المشي مستحيلاً عليهم في الوقت الحالي. وعليه، فربما آن لهم أن يعيدوا النظر في مبادئ حزبهم، بحيث تبدو أكثر جاذبية وإقناعاً للناخبين بقدرتها على حل مشكلات الحياة اليومية. لكن معضلة المعضلات أن الحزب الجمهوري لا يكف عن نزاعاته وانقساماته الداخلية. جون جي. بيتني --------- أستاذ شؤون الحكم بكلية "كليرمونت ماكينا"، ومؤلف مشارك لكتاب "الرحلة الملحمية: انتخابات عام 2008 والسياسة الأميركية" ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"