كان الدفاع عن الأوطان، والتصدي للعدوان هما شعار المقاومة في كل بقاع الدنيا. وكثير من الثورات قامت تحت هذا الشعار؛ تقديساً لدور الإنسان في الدفاع عن أرضه وعرضه، وتجسيداً للسيادة على الأرض والمقدرات. ولم يكن ضمن قواعد أخلاقيات المقاومة تكوين خلايا، أو "تصدير" الثورات أو الأيديولوجيات خارج الحدود الجغرافية لأية مقاومة أو حزب مقاوم. لكن سوء الطالع لحق بـ"حزب الله" اللبناني الموقع، الإيراني/ الشيعي الهوى! وحصل ما حصل في مصر. حيث تم تبادل الاتهامات بين القاهرة و"حزب الله"، حول ضلوع الأخير في التخطيط لأعمال إرهابية في مصر. وعلى لسان جريدة "الأهرام" المصرية فإن: "قضية حزب الله لم تكن القيام بأعمال إرهابية في مصر، بل كانت البداية لإحداث ثورة وقلاقل ضمن مؤامرة كبرى على مصر، خطط لها بعناية وسوء نية للإخلال بالوضع الأمني داخل أراضيها". وأشارت الصحيفة إلى الدور "المتدرج" لجماعة "الإخوان المسلمين" قبيل الاجتياح الإسرائيلي لغزة وأثناءه، وبعده. حيث سعت الجماعة قبل الغزو لاستعادة التنسيق مع بعض القوى والتيارات السياسية المعارضة لتشكيل جبهة يمكن تطويعها لتحقيق ذات الأهداف. وصاحب ذلك تعزيز قوات الأمن المصرية تواجدها الكثيف على الحدود مع غزة خصوصاً -معبر رفح- بعد اكتشاف أنفاق جديدة تستخدم لتهريب البضائع والأسلحة من مصر إلى داخل غزة. وحسب الصحف المصرية، فإن المتهمين الأربعة الذين ألقي القبض عليهم -ضمن 50 شخصاً تم التحقيق معهم- ينتمون إلى دول عربية، وقد دخلوا مصر بطرق غير شرعية، واستخدموا جوازات سفر مزورة وأسماء غير حقيقية بهدف تضليل أجهزة الأمن المصرية بأنهم يقومون بعمليات تجارية بحتة. كما دخل بعضهم عن طريق الأنفاق على الحدود بين مصر وغزة. وقالت الصحف: "إن أحد قياديي حزب الله قد استقر في مصر قبل فترة للبدء في تجهيز ورصد واستقطاب العناصر الإرهابية". وقد اعترف الأمين العام لـ"حزب الله" بأن الشاب اللبناني الذي اعتقلته السلطات المصرية مؤخراً عضو في الحزب، وبأنه كان يقوم بتقديم "دعم لوجستي لمساعدة الإخوة الفلسطينيين". وعلى الجانب الآخر، ثمة قلق واسع في مصر من ظاهرة التشيع في المجتمع المصري. وتعود جذور الخلافات بين "حزب الله" ومصر إلى ما قبل العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006، حيث انتقدت الصحف المصرية الحزب. وقد أعلن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط حينها أن "حزب الله" دمر لبنان في حرب عام 2006. كما هاجم أبو الغيط خامنئي الذي شن حملة على الحكومات العربية متهماً إياها بالضعف في ردود أفعالها تجاه الغارات الجوية الإسرائيلية إبان الحرب على غزة. وتوالت بعد ذلك حلقات "المسلسل" حتى جاء "مسلسل" القمم العربية التي شهدتها بداية هذا العام. وربما رأت إيران أن تكون اللاعبَ "رأس الحربة"، في مواجهة إسرائيل. لذلك، شجعَت التشيَع، ودعمت "حزب الله" دعماً قوياً. وقد اتخذت إيران من جنوب لبنان والضاحية مسرحاً لعملياتها الداعمة للحزب، و"المقاومة"، ضد الكيان الصهيوني. وللأسف، لم تسقط رصاصة واحدة على طهران -إبان عدوان 2006 على لبنان، أو العدوان الأخير على غزة- بل سارت الحياة على سجيتها ونشاطها في إيران في الوقت الذي كانت بيروت فيه تحتضر، عندما تم احتلالها من قبل جماعة "حزب الله"، وتحول وجهها الجميل (وسط المدينة) إلى وجه للموت، الذي يُبشر به بعض الوعاظ الذين يستدرون عطفَ الجَهلة، ويروجون ماورائيات مجنونة! ولو كان الأمر كذلك، فلماذا لم تنتصر عناصرُ الحزب وتبيد اليهود؟ هذا السؤال يجب أن يسأله أبناء الحزب الصغار والصبية الذين تُحفر في جماجمهم بعضُ الماورائيات، التي تدفعهم إلى "شهادة" مزورة، بدلا من أن ينالوا الشهادة الثانوية أو الجامعية، ويقوموا ببناء الحياة. المهم في هذا التطور -غير السياسي بين مصر و"حزب الله"- أنه لا يفيدهما؛ ولا يفيد العرب أيضاً. ذلك أن ميثاق جامعة الدول العربية ينص على احترام سيادات الدول وعدم حصول اعتداءات على أي بلد عربي من بلد عربي آخر. كما أن القمم العربية المتعاقبة منذ عام 1945 قد طالبت بالوحدة العربية وبتضييق دائرة الخلافات العربية، وتوجيه الجهود لاستعادة الوطن السليب! فمن نحاسب على عدم استعادة هذا الوطن؟ بعض الأنظمة أم الأحزاب؟! وإذا كانت الأنظمة -ولنقل أغلبها- تريد هذه الاستعادة عن طريق السلام، وبدعم دولي قوي، فهل ستقف هذه الأحزاب -"حزب الله" أو غيره- في وجه الإرادة الدولية أو الأنظمة العربية الشرعية؟! إننا نرى أن تبديل هذا الحزب لنهجه، ومحاولة "تصدير" بطولات -كانت مصممة أساساً لصد العدوان الإسرائيلي- إلى أية جهة خارجية، نراها خارجة على تاريخ الحزب. كما أنه من غير المنطقي أن تكون علاقات الحزب بطهران على حساب علاقاته مع لبنان أو مع الدول العربية التي دعمته وساندته! وهذا مدار السؤال الذي ساقه الدكتور عبدالحميد الأنصاري: "لو كانت مصر على علاقة حسنة بإيران؛ هل كان حزب الله يستهدفها ويعمل على الإضرار بأمنها؟"! وهو سؤال مشروع هنا، والجواب عليه بالنفي. وهذا في مجمله مؤشر لعمليات التوازنات أو الفوز بـ"الزعامات" في العالم الإسلامي. وإلا، فإن محاولة "الاستيلاء" على مسارح خارجية، دونما تأشيرات أو موافقات من السلطات هنا أو هناك، هي عملية من عمليات "الغزو" أو "القرصنة" التي لا تجيزها الأعراف الدولية ولا التقاليد الإسلامية -التي يتمسّح بها البعض بهدف الفوز بالبطولة- وبأدوار القيادة التي لا تقدم ولا تؤخر في مسلسل الصراع العربي/ الإسرائيلي. كما أن العقلانية تلزمنا بأن نقرأ الأوراق الإيرانية بصورة واضحة! وهذه العقلانية أيضاً تدفعنا لأن نحاذر جيداً من عمليات "الاستضافات" المتكررة لبعض العناصر -"الهاربة" أو "المُطارَدة"- في دول الخليج، لأن البعض لا "تستحي عيناه لو أشبعَ بطنه"! وحريٌ بالسلطات الأمنية ومنظمات المجتمع المدني في الخليج الانتباه لما يمكن أن يقوم به العابثون -الذين باعوا الدنيا ولا يهمهم إن هدموا كل ما قامت به الحضارة العالمية- وبعضهم يحمل حقداً دفيناً لهذه الدول، بل إن بعضهم يتقلب، فمن ثوري مع النظام البائد في العراق ضد إيران، إلى إسلامي مع الثورة الإيرانية الشيعية ضد الأنظمة السنية! انتبهوا جميعاً قبل أن يُفجروا نفطًكُم وغازَكم ورؤوسَ أطفالكم! إن استضافات "الدعاية" السياسية لا تفيد الشعوب، بقدر ما ترهق ميزانيات الدولة! انتبهوا للكيانات التي تعملُ في الخفاء، فهي حتماً سوف "تنقضُّ" عندما تأتي ساعة "الصفر".. ولن يوقف غضبها وحقدها أحد. وأخيراً، إن صناعة الموت ليست صناعة إسلامية، بل تم صنعها على أيدي إسلامويين قد يتحالفون مع الشيطان من أجل العبث بأمن المنطقة، ونحن ضد أدوار البطولة المُريبة التي "تتماهى" في العواصم العربية مع ما يفيد الكيان الصهيوني، ويقضي على أي تجمع عربي أو توجهٍ نحو تطوير عقل الإنسان العربي وفك الحصار عنه، هذا الحصار الذي امتد لمئات السنين. ونعتقد أن الأوضاع السياسية في مصر شأنٌ مصري بحت! وعلى الشعب المصري تقرير ما يراه مناسباً له ولمستقبله. ولا يجوز أن "يُصَدِر" البعضُ بطولاتهم الورقية من أجل العبث بأمن مصر أو غيرها من الدول العربية. وكما لا نرضى لهذا العبث أن يحدث في مصر، فإننا لا نرضاه لأي بلد عربي آخر أيضاً.