هل يمكن اعتبار انتخاب أوباما رئيساً لأميركا فرصة تاريخية أمامها للتغيير الجوهري في سياستها الخارجية، مما من شأنه التأثير إيجابياً على مسيرة العالم المعاصر؟ هذا سؤال مهم مطروح الآن أمام المفكرين الأميركيين وغيرهم لسبب بسيط مؤداه أن أميركا التي تمثل القطب الأوحد في النظام العالمي الأحادي القطبية السائد، بإمكانياتها العسكرية وقوتها المعرفية وثقلها السياسي، يمكن لو تخلت عن أحلامها الإمبراطورية أن تفتح الباب أمام مستقبل أكثر عدالة وحرية في مختلف أنحاء العالم. وقد قام أوباما في الفترة القصيرة التي تلت انتخابه رئيساً بتغيير لغة الخطاب الأميركي. وأهم ملامح التغيير أن الحوار وليس القوة ينبغي أن يكون المنهج الأميركي في التعامل مع العالم. ومن ناحية أخرى صدرت إشارات مهمة تشير إلى أن أوباما يفضل التفاوض حتى لو كان صعباً، على المواجهة. وعودة إلى السؤال الرئيسي الذي أثرناه، هل تستفيد الولايات المتحدة من الفرصة التاريخية المفتوحة أمامها للتغيير الإيجابي في مجال علاقاتها الدولية؟ لقد أجاب على هذا السؤال المهم بصورة بالغة العمق أحد ألمع المفكرين الاستراتيجيين المعاصرين وهو "ريتشارد هاس"، في كتاب له صدر عام 2005 عنوانه "الفرصة، لحظة أميركا لتغيير مجرى التاريخ"، وقد صدرت له ترجمة عربية لأسعد كامل إلياس، نشرتها دار العبيكان عام 2007. ومما يلفت النظر أن "هاس" صدَّر كتابه المهم بحكمة صاغها من قبل الكاتب الفرنسي الشهير "فيكتور هوجو" حين قال إن "للمستقبل أسماء كثيرة، بالنسبة للضعيف هو ليس في متناول اليد، وبالنسبة للخائف هو مجهول، وبالنسبة للجريء هو فرصة". وأهمية هذه الحكمة أن المستقبل هو الذي ينبغي أن يشغلنا وليس الماضي مهما كان بعيداً، ولا الحاضر مهما كان معقداً وزاخراً بالمشكلات. وبعبارة أخرى أن التخطيط للمستقبل ينبغي أن يكون شاغل المفكرين وصانعي القرار على السواء. ومن هنا اهتمت بعض الدول باستشراف المستقبل، وحددت ملامحه كما تتخيلها بعد حوالى عشرين عاماً. وهكذا نشرت الولايات المتحدة وثيقتها "أميركا 2020"، وكذلك فعلت إسرائيل حين نشرت وثيقتها "إسرائيل 2020" التي صدرت في18 مجلداً باللغة العبرية وشارك في إنجازها 600 أكاديمي إسرائيلي. وقد قام مركز "دراسات الوحدة العربية" في بيروت بترجمة ستة أجزاء من هذه الخريطة المستقبلية الإسرائيلية إلى اللغة العربية. والسؤال الآن كيف يصف "هاس" المشهد الأميركي الراهن، مع ملاحظة أنه نشر كتابه قبل انتخاب أوباما. والنقطة الأساسية التي يركز عليها أن أميركا لم تستفد من الفرصة التاريخية التي كانت متاحة أمامها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية عصر الحرب الباردة، وذلك لأن إدارة كلينتون -بحكم تركيزها على أمور أميركا الداخلية- لم تفعل في التسعينيات شيئاً يذكر لرسم خريطة جديدة للعالم. غير أن الأخطر من ذلك أن بوش الابن قام بمجموعة ممارسات خاطئة وخصوصاً في حربه ضد الإرهاب، ودخوله في مغامرات خطيرة بغزو كل من أفغانستان والعراق. ويمكن القول إن العالم يعيش الآن ليس حقبة ما بعد الحرب الباردة، ولكن حقبة ما بعد 11 سبتمبر، بكل ما يعنيه ذلك من نتائج مهمة على صعيد العلاقات الدولية. والواقع أن الولايات المتحدة -إذا وضعنا انتقادات "هاس" في الاعتبار- تخبطت تخبطاً شديداً في حقبة ما بعد الحرب الباردة. ويرد ذلك إلى أن حقبة الحرب الباردة كان يوجهها من وجهة نظر السياسة الأميركية مذهب "الاحتواء" Containment، الذي وضع أسسه الدبلوماسي الأميركي الشهير "جورج كينان". وهو المذهب الذي كان يهدف إلى محاصرة الاتحاد السوفييتي الذي أصبح الخصم السياسي الأساسي للولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، وذلك عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. وقد أدى ذلك على رغم الفشل أحياناً في مجال التطبيق، إلى إضفاء شيء من التجانس على السياسة الأميركية طوال حقبة الحرب الباردة. غير أن غياب مثل هذا المذهب، في حقبة ما بعد الحرب الباردة جعل السياسة الأميركية تتسم بقدر من العشوائية، إلى أن وصلنا إلى أحداث 11 سبتمبر التي أدت إلى إعلان بوش حربه ضد الإرهاب، مما زاد من تخبط السياسة الأميركية. والدليل على ذلك معارضة حلفاء الولايات المتحدة لقرارها غزو العراق عسكرياً، بالإضافة إلى خلافات شتى نتيجة إصرار الإدارة الأميركية على ازدراء المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، واتخاذ قراراتها منفردة، حتى ولو كان ذلك ضد مصالح عديد من الدول. وقد كان "هاس" مصيباً في تشريحه للفشل الأميركي في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة. فقد بشر بوش الأب بنظام عالمي جديد، غير أنه لم يفصح إطلاقاً عن مكوناته ولا عن طريقة إنجازه، ومن هنا ظل مشروعاً معلقاً في الهواء. أما إدارة "كلينتون" فقد ركزت على أهمية توسيع دائرة الديمقراطيات، ولكنها عجزت عن وضع هذا المشروع في صلب سياسة خارجية متماسكة. أما ولاية بوش الابن فقد كانت مزيجاً من مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية وممارسة الضربات الوقائية حين الضرورة، والتصرف باعتبار الولايات المتحدة هي القطب الأوحد الذي من حقه أن يفرض السياسات التي يريدها على العالم. وقد فشلت الولايات المتحدة في كل هذه الميادين، وكانت المحصلة سلبية حقاً، لأن مكانة هذه الدولة الكبرى قد تدهورت بشدة، وتصاعدت موجات الكراهية والعداء لها في مختلف قارات العالم، كرد فعل لسياساتها. ومن هنا صدق "هاس" حين قرر في حكم نهائي أن الولايات المتحدة قد بددت الزمن والموارد والإمكانيات! بددت الزمن لأنه كان يمكن استثماره بشكل إيجابي في صياغة عالم جديد تسوده الحرية والعدالة. وبددت الموارد في حروبها ضد الإرهاب في أفغانستان والعراق والتي لم تؤد إلا إلى نتائج سلبية. وبددت الإمكانيات لأنها انحرفت بمسار العلاقات الدولية، مما دفع عديداً من الدول إلى أن تبذل أقصى الجهد في مواجهة السياسات العدائية للولايات المتحدة، بدلا من أن تنشط لتصوغ مستقبلا أكثر إشراقاً من الحاضر الزاخر بالمشكلات. والواقع أن التناقض الرئيسي الذي وقعت فيه الولايات المتحدة هو أنها ترفع شعار الديمقراطية باعتبارها أحد مكونات عقيدتها السياسية ومن ثم نصبت نفسها داعية ومبشرة بها في كل أنحاء العالم، ولكنها في الوقت نفسه مصممة على القيام بدور الإمبراطورية الإمبريالية التي تريد السيطرة على مصائر الأمم! وقد صاغت الولايات المتحدة مذهباً استراتيجياً مؤداه أنها ينبغي أن تحكم العالم بمفردها إلى الأبد! وانطلاقاً من هذا المذهب قرر خبراؤها الاستراتيجيون أن من حق الولايات المتحدة إجهاض أي محاولة من قبل أي دولة لمنافستها، أو تحدي دورها ولو باستخدام القوة العسكرية! وفي الرد على مزاعم هذا المذهب الاستراتيجي المدمر قرر "هاس" أن الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح بالحيلولة دون نشوء قوى كبرى أخرى قد تصبح منافسة لها. وذلك لأن صعود وانحدار الدول تحكمه أمور متعددة تتعلق بالأوضاع الديموجرافية، والثقافة، والموارد الطبيعية، والأنظمة التعليمية، والسياسة الاقتصادية، والاستقرار السياسي، والفرص أمام الأفراد، والأطر القانونية. ومعنى ذلك بوضوح أن الولايات المتحدة، مهما كانت قوتها العسكرية لا تستطيع إطلاقاً التأثير على كل مفردات المنظومة التي أشرنا إليها والتي تتعلق بصعود الدول. ونتيجة لذلك لا تستطيع الولايات المتحدة -حتى لو أرادت- منع صعود الصين أو روسيا أو الهند أو أوروبا. وخلاصة ذلك كله أن إدارة أوباما أمامها فرصة تاريخية لإعادة صياغة السياسة الخارجية على أساس أن الأميركيين لن يستطيعوا مواجهة تحديات العولمة بمفردهم، وإنما بالاشتراك مع باقي دول العالم. غير أن هذه الفرصة مع ذلك هي مجرد إمكانية، وهي بالتالي تمثل احتمالا وليس أمراً لابد منه. وخطورة فوات هذه الفرصة أنه يمكن للعالم أن تسوء أوضاعه، بحكم انتشار أسلحة الدمار الشامل، وزيادة عدد الدول الفاشلة، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار في النظام الدولي، بالإضافة إلى احتمال تزايد معدلات الإرهاب. وبعبارة موجزة، هناك فرصة تاريخية ليس أمام الولايات المتحدة فقط، ولكن أمام دول العالم جميعاً، لكي تتكاتف جهودها من أجل المواجهة الإيجابية لمشكلات الحاضر وعلى رأسها تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصياغة صورة للمستقبل، تقوم على أساس احترام سيادة الأمم والاعتراف بأهمية التنوع الثقافي في مجال ازدهار الشخصيات الإنسانية، وتدعيم حوار الثقافات بدلا من صراع الحضارات.