الديمقراطية في الكويت بين صعود وهبوط، وهي عادة تعودنا عليها وكثيراً ما تؤدي إلى تشتيت تحمل المسؤولية. اعتدنا دائماً على نقد السلطة حيث غالباً ما كانت السلطة في تاريخنا العربي الإسلامي تمثل بعبعاً، ومن ثم فنقدها هو المتنفس. اليوم نجد أنفسنا شركاء فيما وصل إليه الحال بالكويت حيث الديمقراطية تحمل أكثر مما تحتمل وأصبح تأخير مشاريع التنمية سببه الديمقراطية، بينما تُحقق في بلدان أخرى التطور والتنمية، كما أن هناك بلداناً أخرى حققت تطورها دون ديمقراطية حيث كان الهدف واضحاً لمن يقود. وثمة أمثلة كثيرة، قريبة وبيعدة جغرافياً. في هذه الانتخابات غيرت الحكومة سياستها وبدأت "تحمر العين" على منتقديها، وكانت تأمل أن تخف حدة النقد الموجهة لسياساتها. نحن مع حكومة تقوم بدورها في التنظيم والضبط، خصوصا فيما يتعلق بهيبة القانون والدولة، لكن على الحكومة أن تدرك أنها شريك فيما حدث من ضعف ووهن للقانون وهيبته. أقصد أن الحكومة شاهد على ما يحدث من تعدٍ عام في مراكز الشرطة وعلى الاعتداءات المتكررة في الشوارع، وكلها ظواهر خطيرة حيث لم يعد للقانون هيبته. الحكومة كانت تساند هذه المواقف عندما يتوسط النواب في خرق القانون، واليوم تجني ثمار سياستها. نرجع للسلطة ونقول بأن الحالة الكويتية هي انعكاس لتردٍ عام اشتركت فيه القوى الواعية والمغيبة، فالقوى الوطنية عجزت عن قيادة الشارع وتقديم البدائل العقلانية لاستيعاب طبيعة التغير الاجتماعي، حيث تحولت إلى قوى تمثل المدينة وابعدت عن القبيلة بشكل أو باخر. كما أن هذه القوى فشلت في تجديد أطروحاتها الفكرية وتعاملت مع الديمقراطية باعتبارها صناديق اقتراع وأغلقت تطوير الوعي بقيم الديمقراطية. القوى الوطنية، وهنا لا نعمم، عانت من فساد الذمم ودخلت في الصفقات التجارية واستطاعت الحكومة أن تغريها بالمال مما أدى إلى إضعافها. أما القوى السياسية الأخرى، من دينية وغيرها، فهي قوى تسير وفق رؤية خاصة تهدف منها إلى فرض تصوراتها للدولة، وهي قوى تسعى لقيام الدولة الدينية من خلال استخدامها للديمقراطية. والوضع العام فيه كثير من المحفزات، حيث تتعامل الحكومة مع هذه القوى وتقدم لها المغريات مما أوحى لها بأنها، أي الحكومة، راغبة في الدولة الدينية. النظام السياسي أزمته في غياب رؤيته كحكم حيث كان عليه أن يرفع شعاراته دون مواربة ومجاملة ويدافع عنها وربما نشهد تحويل الكويت إلى مركز مالي عالمي، وهو تحول بحاجة إلى سياسة انفتاح تعترض عيها القوى الدينية. أما القبيلة والطائفة فقد استفادتا من الانفتاح الديمقراطي لتحقيق مكاسبهما في ظل غياب الرؤية وبسبب التخبط العام الذي يعيشه المشهد الكويتي. إن الأزمة إذن كبيرة وطاحنة والشركاء عديدون ولم يعد النظام هو المسؤول عما وصلت إليه الظروف العامة في الكويت. استمرار الوضع المتردي يشكل تهديدا للديمقراطية، ومن المؤكد أن الانتخابات القادمة لن تختلف عما قبلها وأن التصادم والمواجهة قادمة والأزمة قادمة أيضاً، ومن ثم فحل المجلس أو الحكومة قد يكون كافياً، بل قد يكون الخيار في هذه المرة تعطيل الديمقراطية في الكويت لإيجاد مخرج للأزمات المتلاحقة. بكل تأكيد هناك انحراف في الديمقراطية الكويتية، وهو أمر خطير له انعكاساته ليس على الكويت وإنما حتى على دول الجوار التي بدأ يضيق صدرها مما يجري في الساحة الكويتية. هذه المرحلة تتطلب تشخيصاً لأسباب التحولات الديمقراطية في الكويت، فالديمقراطية عززت القبيلة والطائفة، وهي ظاهرة خطيرة نعتقد بأن مسارها انحرف وأن المسؤولية عنه مشتركة.