بإحدى القنوات الاخباريةشاركت الأسبوع الماضي في ندوة البرنامج الشهري لـ"حوار العرب" الذي بُث قبل أيام . محور الندوة كان عن قضية الساعة، إيران وعلاقتها المأزومة مع العرب. وقد طرح سؤالاً: هل العلاقة بين إيران والعرب هي علاقة "صداقة" أم "خصومة"؟ وقبل الإجابة على السؤال ينبغي التنبيه ابتداء إلى أن الصداقة والخصومة في عالم السياسة تحددهما أولا وأخيراً، نتيجة تلك العلاقة، وكيف تنفع أو تضر هذا الطرف أو ذاك؟ وكيف ينظر كل طرف إلى الآخر؟ وهل هناك علاقة متكافئة أم فوقية؟ وهل تلك العلاقة تعزز أمن واستقرار الطرفين أم أنها تخدم مصلحة طرف على حساب الآخر؟ فالخوض في مثل هذه المعطيات، ابتداءً، يبين لنا عادة خلفيات الصداقة أو الخصومة. وأول ما يمكن قوله هنا هو أن علاقة فارس الأمس وإيران اليوم مع العرب ربما اصطبغت عبر التاريخ بشيء من التنافس والسعي للهيمنة والتوسع المتبادل من قبل الطرفين الفارسي والعربي. فالعرب سعوا لفتح فارس ونشر الإسلام فيها لتتحول، مع مرور الوقت، إلى إضافة مهمة للحضارة الإسلامية، وقد طغت اللغة العربية على اللغة الفارسية واكتسحتها بأزيد من 60 في المئة من مفرداتها. أما فارس فقد أنشأت إحدى أقدم الإمبراطوريات في التاريخ، منذ ما قبل الميلاد إلى الفتح الإسلامي. وعلى رغم مساهمات الفرس في إثراء الثقافة والحضارة الإسلامية، إلا أن النفَس الفارسي، وفي ما بعد الإيراني، سعى على الدوام للتمسك بالفوقية -يقول البعض- وتعامل مع العرب من منطلق القوة والهيمنة. وسعى للعب دور المتحدي والرافض للوضع القائم. وفي الوقت الذي نتمنى فيه كعرب أن تكون هناك علاقة استراتيجية متكافئة مع إيران، بحيث نستقوي بها وتستقوي بنا كدولة إقليمية مركزية وذات موقع استراتيجي ومحوري يمكنها من أن تكون عمقاً لنا، نرى للأسف عكس ذلك تماماً. نرى سعياً للاستئثار الإقليمي، وجهداً حثيثاً لـ"ملء الفراغ"، وحتى المطالبة بإدارة العالم. وأذكّر هنا بأن الشاه أكد ذات مرة أن: "إيران بمفردها هي الدولة الوحيدة القادرة على تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط"! وأما مستشاره غلام رضا أفاخامي فقد جسد النظرة الفوقية الفارسية بقوله إنه: "لا توجد دولة تقارع قوة إيران وثقافتها وتاريخها". كما علق، في هذا السياق، وزير البلاط الشاهنشاهي قائلا: "لم تصبح إيران الدولة الأقوى في الخليج الفارسي فقط، ولكن الدولة الأقوى في الشرق الأوسط وزعيمة الدول المنتجة للنفط". وسمِّ مثل هذه التصريحات بما تشاء. سمِّها، مثلا، جنون العظمة والغرق في الفوقية والنظرة والتعامل مع الآخرين -وخاصة العرب- من منطلق القوة والاستخفاف. ولذلك سعى الشاه لفرض سياسة الأمر الواقع متحالفاً مع إسرائيل، ولكنه لم ينتزع زعامة المنطقة كما أراد. ثم أتى الاحتلال الغاشم للجزر الإماراتية الثلاث كفصل آخر من فصول محاولات فرض النفوذ والهيمنة الإيرانية التي ألبسها الشاه رداء القومية الفارسية المتشددة. وأما نظام الملالي اليوم فهو وريث هذه الأفكار والأحلام بإبقاء إيران الدولة المركزية القوية، ولكن يراد تمرير ذلك برداء وعباءة الإسلام وباسم التصدي للإمبريالية و"الشيطان الأكبر" و"الأصغر" والخطابة الصاخبة عن "المقاومة" والمواجهة والتصدي.. مع الحرص على توظيف أوراق قوتهم جميعاً في المنطقة على حساب أمننا وقضايانا واستقرارنا. وفي نظري أن هنالك أسباباً ثلاثة مركزية لفهم الاستراتيجية الإيرانية: الأول البعد التاريخي والسعي على الدوام للتمدد والهيمنة. والثاني إغراء الضعف والتشتت العربي واتباع أسلوب فرِّق تسد. والثالث زيادة رصيد إيران كلاعب استراتيجي ممسك بأوراق الصراع والسلام والتصعيد والتهدئة. وتلعب طهران هذه الأوراق لهدف إبقاء النظام ولتصبح الدولة المتحكمة والمرجعية في المنطقة مستفيدة من حاجة واشنطن لخدماتها وتعاونها. وتشعر الآن بالارتياح لسعي إدارة أوباما لفتح حوار معها، ولإمساكها بمفاصل اللعبة وتمددها إلى المتوسط وحتى الأطلسي! وللأسف لا تهتم طهران ببناء أجواء الثقة مع العرب على رغم عدم تدخلهم في شأنها الداخلي كما تفعل هي، ناهيك عن غياب موقف عربي جامع تجاهها. بل إنها نجحت في استمالة أطراف عربية. ونجحت في قيادة ما سمي محور "الممانعة" في المنطقة، تحت دعاوى التصدي للمشروع الأميركي. وتقارع إسرائيل بالخطب الرنانة والبيانات المتحدية وتصفها بالعنصرية مثل ما فعل نجاد في قمة ديربان 2 مؤخراً في جنيف. وذلك كله قد يُكسب طهران تعاطف قطاعات من الشارع العربي الذي يطرب لهذه المواقف المتحدية دون أن يفهم أن إيران تقوم بذلك لمقايضة هذه الأوراق بصفقة كبيرة مع واشنطن. لقد كشفت ندوة "إيران: صديق أم خصم؟" عن علاقة مضطربة وجيرة عصية بين إيران والعرب، وعن نجاح طهران في استغلال الضعف العربي وسعيها للتكسب ولتقوية أوراقها على حساب مصلحتنا وإيذاءً لأمننا العربي. وهذه المعاملة بالتأكيد لا يقوم بها صديق. أما السؤال المهم فهو: متى يغيّر العرب هذه المعادلة الصعبة بما يجبر إيران على أخذنا على محمل الجد؟ أين الاستراتيجية العربية التي تتصدى لإيران وغيرها. وماذا ننتظر؟