في الوقت الذي كانت فيه السلطات الباكستانية تعقد صفقة مع الارهابيين "الطالبانيين" من مواطنيها تتنازل بموجبها لهم عن السيادة في منطقة سوات الجبلية الوعرة ( على بعد 100 كيلومتر من العاصمة) كي يطبقوا فيها أحكام الشريعة الإسلامية بحسب أمزجتهم، وفي الوقت الذي كانت فيه هذه السلطات نفسها تفرج بعد يوم واحد من الحدث الأخير عن الملا المتشدد "مولانا عبدالعزيز" الموالي لحركة "طالبان" البربرية وإمام المسجد الأحمر سابقاً، والذي تسبب بغلوه وتطرفه في يوليو من عام 2007 في مقتل أكثر من مائة شخص من الشباب والنسوة في العاصمة إسلام آباد في صدامات ما بين اتباعه وقوات الجيش، قبل أن يُلقى القبض عليه، وهو يحاول الهرب مرتدياً برقعاً وملابس نسائية. في هذا الوقت كان ممثلو 27 دولة و16 منظمة يعقدون مؤتمراً في طوكيو تحت رعاية اليابان والبنك الدولي لجمع المساعدات والهبات والقروض لهذه الدولة، بهدف اسناد اقتصادها المتصدع والحيلولة دون تفاقم مشاكلها الكثيرة التي جعلت مراقبين كثر يصفونها في الأشهر الأخيرة بالدولة الآيلة للسقوط عاجلا أم آجلا، خصوصاً وأن قرضاً طارئاً حصلت عليه في نوفمبر 2008 لم يساعدها في الحد من أزماتها. وبطبيعة الحال، فإن أولى الدول التي سارعت إلى تقديم العون كانت، كما في كل مرة، الولايات المتحدة الأميركية التي صارت مثل "العومة مأكولة ومذمومة"، بمعنى أنها إذا اقترحت على الباكستانيين اتباع نهج ما، أو الكف عن تصرف ما صاحوا معا: هذا تدخل سافر في شؤوننا الداخلية، لكنها إذا قدمت لهم مساعدات أخذوها صامتين ومن دون تعليق! والشيء نفسه يمكن قوله عن اليابان التي جاءت بعد الولايات المتحدة في حجم المساعدات (تبرعت الدولتان بحوالي نصف إجمالي المبلغ وهو خمسة بلايين دولار) تلتهما دولة لا تقل أهمية منذ زمن طويل في برامج المساعدات الخارجية لباكستان وهي المملكة العربية السعودية، التي قدمت سبعمائة وخمسين مليون دولار، فدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعهدت بتقديم 300 مليون دولار. ورغم أن الرئيس الباكستاني الذي مثل بلاده في مؤتمر المانحين هذا، بدا مسروراً - ربما لأنه لم يكن يتوقع تخطي المبالغ المتجمعة حاجز الخمسة بلايين دولار، أو ربما لأن المانحين (باستثناء واشنطن التي كان رئيسها باراك أوباما قد نقل عنه بأن صرف المزيد من المساعدات لباكستان يعتمد على كيفية تعاملها مع الارهاب)، لم يتشددوا في شروط الانفاق كثيراً مثلما كان متوقعاً، فإن الرجل (أي زرداري) ينتظره حال عودته إلى بلاده عمل كبير: أولا لإثبات أن الأموال التي ضخها المجتمع الدولي في الخزينة الباكستانية لن تمس في غير أغراضها، بمعنى عدم تسربها إلى حسابات شخصية سرية كما جرت العادة مع بعض زعماء باكستان السابقين. أما العمل الكبير الثاني، فهو تقديم خطة شاملة ومفصلة حول كيفية استغلال ما تم تدبيره من أموال وما ستدفعه الدول المانحة لاحقاً (عشرة بلايين دولار) في مساعدة الفقراء وزيادة الانتاجية وإصلاح الأحوال الضريبية من أجل تعزيز إيرادات الدولة وخفض اعتمادها على المساعدات الاجنبية. لقد عرف آصف زرداري كيف يلوي ذراع المجتمع الدولي للحصول على ما تمناه من مساعدات بليونية، فركز على أهمية باكستان مستقرة في نطاقها الإقليمي وأهمية وجود قدراتها وعلى الأخص قدراتها النووية في أيدي حكومة مركزية قوية، كي لا تصبح مصدر ازعاج أو توتر أو صداع للآخرين وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المنطقة. وبهذا تمكن الزعيم الباكستاني من تخطي أي استجواب حول قراراته المتعلقة بإقليم "سوات" أو باطلاق سراح الملا المتطرف عبدالعزيز، وهي قرارات تضعف بلا شك كل ما يقوم به الحلفاء في أفغانستان من جهود من أجل استقرار الأخيرة. لقد وقف زرداري أمام ممثلي الدول المانحة ليقول : "لقد قبلت التحدي بصفتي رئيساً لباكستان ... لقيادة بلادي نحو الخروج من هذه الأوقات العصيبة... إذا خسرنا خسرتم، واذا خسرنا خسر العالم!" لكنه لم يقل كيف؟ كما أن أحداً لم يسأله عن مبررات صفقة "سوات" واطلاق الملا عبدالعزيز أن كان جاداً في القضاء على الإرهاب. والرجل الأخير ليست شخصية عادية حتى لا يثير اطلاقها أية تساؤلات. فهو تسبب في مصائب كثيرة لبلده وشعبه، بل كان السبب في اطلاق شرارة انتفاضة الشبكة الأصولية المعروفة بـ"طالبان" باكستان، ولا يزال يتحدى النظام ويدعو إلى استخدام القوة والانتحاريين لتطبيق الشريعة في بلاده، وفي غيرها من البلاد الاسلامية، بل ويتبجح بالقول إن الحكومة برهنت على ضعف ارادتها. وهذا تحديداً ما قال به أيضاً الكثيرون من المراقبين ممن وجدوا في صفقة سوات تعزيزاً لنفوذ المتشددين و"الطالبانيين"، وبرهاناً على خضوع الحكومة للإملاءات من أجل الاحتفاظ برأسها. واذا كان زرداري ورئيس حكومته لا يوجد لديهما ما يبرران به إطلاق الملا عبدالعزيز سوى القول بتخفيف الاحتقان الداخلي وصولا إلى المصالحة الوطنية بين فئة مارقة لا تعترف بالوطن وفئات أخرى حريصة على أمنها واستقرارها، فإن تبريرهما لصفقة "سوات" هي الأخرى غير مقنعة. ذلك أن أية اتفاقية سلام في هذه المنطقة المعزولة، لن يكتب لها النجاح في ظل انقسام قبائلها ما بين فصائل تريد العودة إلى الحياة الطبيعية بقيادة مولانا فضل الله صفي محمد ومريده وزوج ابنته الذي قاد حملة في أكتوبر 2007 من أجل تطبيق الشريعة الاسلامية، وفصائل متعصبة متعاونة مع بقايا "القاعدة" ممن باتوا يعرفون بمجموعة "تورابورا". الأمر الأخطر اليوم في نظر الكثيرين هو تحول كراتشي... نعم كراتشي، ميناء باكستان الأول وقلبها التجاري والصناعي، إلى عاصمة للإرهاب والتطرف والجماعات المافيوية. لقد تحولت هذه المدينة التي كانت مع أختها بومباي في زمن الهند البريطانية جوهرتين من جواهر تاج الراج، إلى ساحة تسودها المطاردات والتصفيات بين متشددين قبليين نزحوا من إقليم وزيرستان بقصد السلب والنهب وابتزاز التجار ورجال الاعمال بغية جمع أكبر قدر من الأموال لصالح حركة "طالبان" الأفغانية. وطبقا لأحد شهود العيان، ويدعى "بادشاه دين محسود" ابن غول خدين محسود، فإن عناصر من الأمن الباكستاني متورطة في تقديم الحماية والعلاج وأماكن الاختباء ونقل الأموال متى ما دعت الحاجة. إذ تعتبر هذه العناصر أن هذا أقل ما تقدمه لإخوتها في الدين، وإن كان ذلك على حساب سلامة واستقرار وطنها.