ليس من حكمة السياسة اختزال الأزمة العميقة التي تهدد السودان وتنذر بتفككه، في المذكرة الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس البشير. وليس من حسن الفطن، بالتالي، التباطؤ في معالجة الأزمة بعد أن هدأت الضجة التي أثارتها المذكرة. فالمعضلة الأساسية ليست في لاهاي حيث يقع مقر المحكمة، وإنما في دارفور حيث توجد الأزمة المأساوية التي كُشف النقاب عنها قبل نحو ست سنوات. ويقضي أي تفكير منطقي، في مثل هذه الحالة، بإعطاء الأولوية لحل الأزمة الأصلية، وخصوصاً حين لا تكون مذكرة الاعتقال قابلة للتنفيذ على الأقل في المدى المنظور. فيكفي، والحال هكذا، تسجيل موقف تجاهها يوضح أنه لن تكون هناك عدالة دولياً حقاً إلا إذا قامت على معيار واحد وقاعدة عامة يقف الجميع أمامها سواسية لا فرق في ذلك بين سوداني وإسرائيلي. أما الجهد العربي الأساسي فينبغي أن يتجه صوب وضع أزمة دارفور على طريق حل حقيقي والشروع في إجراء محاكمة داخلية ولكن جدية للمتهمين بارتكاب جرائم حرب تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. فالمذكرة ستظل إجراءً غير قابل للتنفيذ ما لم تقرر دولة كبرى أو أكثر تفعيلها، ومن ثم التحرك لتطبيقها. وليس هناك ما يدل، حتى اللحظة الراهنة، على أن أية دولة كبرى مستعدة لأن تُسجل عليها سابقة اللجوء إلى قرصنة جوية، حتى إذا كان الهدف هو تنفيذ إجراء اتخذته محكمة دولية. وقد أعلنت الولايات المتحدة بوضوح أنها "لا تخضع لواجب قانوني يملي القيام باعتقال البشير". كما لم يتطرق الرئيس أوباما إلى موضوع مذكرة اعتقال البشير حين استقبل مبعوثه الشخصي سكوت جرايشن في اليوم الأخير من الشهر الماضي، عشية الزيارة الأولى التي قام بها إلى السودان. وبدا جرايشن خلال زيارة الأيام العشرة (1-11 أبريل) إلى السودان شديد النعومة، حريصاً على أن يستمع إلى مختلف الأطراف، وهو الخبير المطلع عن كثب على الشؤون الأفريقية، فضلا عن إجادته اللغة السواحلية بحكم نشأته في الكونغو لأبوين أميركيين كانا يعملان هناك. وسبق أن رافق أوباما، حين كان الأخير عضواً في مجلس الشيوخ، في جولته الأفريقية التي استمرت لأكثر من أسبوعين في عام 2006. وقد زارا معاً خلال تلك الجولة معسكرات لاجئي دارفور في تشاد. وليست هذه هي قناة الاتصال الوحيدة بين إدارة أوباما والحكومة السودانية. فقد أتاحت مشاركة "الحركة الشعبية لتحرير السودان" في حكومة الوحدة الوطنية، قناة أخرى للاتصال عبر قادة الحركة الذين يتولون مواقع مهمة في حكومة الوحدة الوطنية ومن بينهم وزير الخارجية دنيق آلور. وكان آلور في واشنطن نهاية الشهر الماضي ضمن وفد من "الحركة الشعبية". ويخلق وجود أكثر من قناة اتصال بين الخرطوم وواشنطن أملا في إمكان تجنب تصعيد أزمة دارفور. لذلك فالمفترض الآن أن تكون الأولوية في الجهود العربية لمساعدة الحكومة السودانية في التحرك بشكل فوري لتهيئة الأجواء لوضع أزمة دارفور على طريق الحل. وهذا هو السبيل إلى تجاوز مشكلة المذكرة وإنقاذ السودان في آن معاً. فلا الإدارة الأميركية، ولا فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية المعنية بأزمة دارفور، ستنتظر طويلا. فالمدى المتاح الآن يُحسب بالشهور وليس بالسنوات. وقد عبر جرايشن عن ذلك خلال زيارته للسودان، عندما تحدث عن الحاجة إلى عملية قصيرة الأجل ومكثفة لإحلال السلام. لذلك فإذا لم يبدأ تحرك سوداني سريع ومقنع لحل الأزمة، ستكون هذه الدول مستعدة للتصعيد وستتبدل اللهجة الناعمة التي يتسم بها الموقف الأميركي الآن. فالمشكلة الجوهرية في دارفور وما يحدث فيها وليست في لاهاي. والتصعيد الغربي المتوقع، إذا بقي الوضع في دارفور على حاله أو ازداد تدهوراً، قد يتضاءل إلى جواره موضوع المذكرة. وربما يكون فرض حظر جوي على منطقة دارفور لمنع الطيران السوداني من التحليق فوقها هو أول الإجراءات التي يمكن اتخاذها عند الشروع في التصعيد، وفقاً لمعلومات تفيد أن هذا الإجراء مطروح للبحث في أوساط حلف الأطلسي الذي يرجح أن تُعهد إليه هذه المهمة. وإذا حدث ذلك، فستكون هذه هي العملية الثانية التي ينفذها الحلف خارج أوروبا، بعد عملية أفغانستان. والدلالة الأكثر أهمية، وخطراً، للتفكير في فرض حظر جوي على دارفور هي أن اللجوء إلى مثل هذا الإجراء في شمال العراق كان تعبيراً عن اعتقاد في استحالة التوصل إلى حل سلمي، رغم الاختلاف البيّن بين الحالتين. فإذا لم يحدث تقدم يفيد بإمكان حل أزمة دارفور، لن يقف أي "فيتو" صيني أو روسي محتمل في مجلس الأمن عائقاً أمام قيام حلف الأطلسي بمهمة فرض الحظر الجوي خارج نطاق الأمم المتحدة. ولن يكون هناك خلاف داخل الحلف على ذلك، لأن المحاولات التي قامت بها فرنسا لوضع الأزمة على طريق الحل خيبت أملها. فقد تحركت باريس في هذا الاتجاه فور إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في يوليو الماضي أنه طالب المحكمة بتأييد مذكرة الاعتقال. ودعمت باريس خطة العمل التي أعدتها جامعة الدول العربية في حينه، وتضمنت عناصر سياسية لتغيير الوضع في دارفور، وأخرى قانونية لمحاكمة المتهمين في محاكم سودانية خاصة تحت إشراف دولي وإقليمي. ولم يغلق الفرنسيون الباب نهائياً أمام إمكان حل الأزمة، لكن صبرهم بدأ ينفد. وإذا توافقت فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا على الشروع في التصعيد، فسيكون "الناتو" جاهزاً لفرض الحظر الجوي وإقامة محطات المراقبة اللازمة لذلك في تشاد وأفريقيا الوسطى بالأساس. لكن الحظر الجوي قد لا يكون هو الإجراء الوحيد في حالة اتجاه الدول الغربية الكبرى إلى التصعيد. كما أنه قد لا يكون هو الإجراء الأول أو فاتحة عملية التصعيد. فقد يتم اللجوء أولا إلى ممارسة ضغط عنيف ومكثف على النظام السوداني قبل اتخاذ إجراءات لتغيير الوضع على الأرض. ومن الضغوط التي كان المبعوث الأميركي السابق (في عهد إدارة بوش) إلى دارفور ريتشارد وليامسون قد اقترحها، القيام بتعطيل وسائل الاتصالات جميعها في الخرطوم لعدة أيام من أجل توجيه إنذار حاسم وإظهار هشاشة الوضع في السودان. وربما يستهدف هذا الإجراء أيضاً توجيه رسالة قاطعة إلى أجهزة سودانية تعرف معنى وقف وسائل الاتصالات لدفعها إلى إقناع الرئيس البشير بإبداء "مرونة" أو ربما التصرف بطريقة أخرى. ومن الإجراءات التي اقترحها وليامسون أيضاً في الاتجاه نفسه، ولممارسة ضغط عنيف على الخرطوم، التلويح بإمكان منعه من تصدير نفطه أو التحكم في ذلك، عبر إيفاد بعض القطع الحربية إلى المرافئ السودانية في استعراض قوة يشمل تفتيش السفن الخارجة من هذه المرافئ والعائدة إليها. والرسالة، هنا، هي أن فرض حصار للتحكم في تصدير النفط قد يكون خطوة تالية. ولعل هذا ما شجع زعيم "حركة العدال والمساواة" المتمردة على المطالبة باقتطاع حصة دارفور من حصيلة صادرات النفط السوداني عبر برنامج مماثل لذلك الذي فُرض على النظام العراقي السابق. وتحظى مقترحات وليامسون بتفهم من بعض أركان إدارة أوباما، وخصوصاً السفيرة الحالية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس ذات الأصل الأفريقي والتي تعتبر من "الصقور" في موقفها تجاه أزمة دارفور. ومازال القرار الذي اتخذه مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، في دورته غير العادية التي عقدت في 19 يوليو 2008، وخطة العمل التي أُعدت وفقاً له، يمثلان أساساً صالحاً لبدء التحرك في اتجاه يجنب السودان ويلات سينوء بها كاهل العرب في مجملهم. ولا بديل عن إشراك المجتمع الدولي في عمل جاد من أجل حل الأزمة إذا قررت الحكومة السودانية المضي قدماً في هذا الاتجاه. وقد نص القرار العربي المشار إليه، ضمن ما ورد فيه، على عقد "اجتماع دولي رفيع المستوى لدعم العملية السياسية في دارفور ووضع خطة طريق وإطار زمني لتنفيذها، ودعوة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالمشاركة مع جامعة الدول العربية لاتخاذ الإجراءات العملية نحو عقد هذا الاجتماع". لكن هذا كله يتوقف على قرار الحكومة السودانية واستعدادها للتجاوب مع تحرك عربي في هذا الاتجاه، وبالتالي إبداء المرونة اللازمة للشروع في عملية سياسية. فإما البدء فوراً في حل الأزمة أو توقع تصعيد قد لا يطول انتظاره. وليس هناك احتمال ثالث.